أدى التصعيد المستمر في حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة، والمتواصل منذ أكثر من 22 شهرًا، إلى إصابة أكثر من 156 ألف شخص بجروح متفاوتة، وفقًا لما أعلنت عنه وزارة الصحة الفلسطينية.
وقد أسفرت هذه الإصابات، التي تتراوح بين البسيطة والخطيرة، عن آلاف حالات الإعاقة الدائمة، فيما يواجه القطاع الصحي المتهالك تحديات غير مسبوقة في التعامل مع هذا الكم الهائل من المصابين.
في هذا السياق، حذّر مدير مستشفى الشفاء، الدكتور محمد أبو سلمية، من الزيادة الملحوظة في حالات بتر الأطراف خلال الأشهر الأخيرة، مشيرًا إلى أن السبب يعود في جزء كبير منه إلى عدم فاعلية المضادات الحيوية المتوفرة في مواجهة البكتيريا التي أصابت الجروح المفتوحة.
وأوضح أبو سلمية أن الجرحى يعانون من التهابات حادة لا يمكن السيطرة عليها بسبب النقص الحاد في المضادات الحيوية الفعالة، مما يضطر الأطباء إلى اللجوء إلى عمليات بتر الأطراف لإنقاذ حياة المرضى. وأضاف أن هذه الظاهرة تترك آثارًا نفسية وصحية مدمرة على المصابين وعائلاتهم.
نتائج مقلقة لدراسة علمية
أكدت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة لانسنت للأمراض المعدية خطورة الوضع. فقد أظهرت الدراسة، التي استندت إلى عينات مأخوذة من مختبر الأحياء الدقيقة في مستشفى الأهلي بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 وأغسطس/آب 2024، أن 982 عينة من أصل أكثر من 1300 أظهرت نموًا بكتيريًا.
والأخطر من ذلك أن ثلثي هذه العينات أظهرت وجود بكتيريا مقاومة للأدوية المتعددة، وهو ما يعني أن العلاجات التقليدية أصبحت عديمة الجدوى في كثير من الحالات. واعتبرت المجلة أن هذه النتائج تمثل تهديدًا كبيرًا للصحة العامة في غزة، حيث يمكن أن تتحول الإصابات إلى مصدر عدوى مستعصية داخل المستشفيات والمجتمع.
ورشة وحيدة للأطراف الصناعية
بالإضافة إلى الأزمة الدوائية، يواجه الجرحى الذين فقدوا أطرافهم معاناة مضاعفة بسبب محدودية الخدمات التأهيلية. إذ لا يوجد في غزة سوى ورشة واحدة لتصنيع وإصلاح الأطراف الاصطناعية، وهي منشأة صغيرة تعاني من نقص شديد في المواد الخام والمعدات الطبية.
وتشير وزارة الصحة إلى أن النقص المزمن في الكهرباء والوقود يعطل عمل هذه الورشة بشكل متكرر، ما يجعلها عاجزة عن تلبية الطلب المتزايد على الأطراف الاصطناعية. ونتيجة لذلك، يضطر آلاف المصابين إلى الانتظار لشهور طويلة قبل الحصول على طرف صناعي، إن توفر أساسًا.
نقص الأدوية يفاقم الأزمة
إلى جانب ذلك، أدى النقص الكبير في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية إلى شلل شبه كامل في تقديم الرعاية للمرضى الذين يعانون من إصابات في الأطراف. وتشمل قائمة النواقص مسكنات الألم، المواد المخدرة، أدوات الجراحة، والضمادات المعقمة، مما يعيق الأطباء عن إجراء العمليات الجراحية في الوقت المناسب.
وحذرت وزارة الصحة من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة، خصوصًا في صفوف الأطفال والشباب الذين يمثلون النسبة الأكبر من المصابين.
وتؤكد الوقائع أن الأزمة الصحية في غزة لم تعد مقتصرة على توفير العلاج الطارئ للجرحى، بل تحولت إلى كارثة طويلة الأمد تهدد أجيالًا كاملة بالإعاقة المزمنة وفقدان الأمل في إعادة التأهيل.
وقد دعت وزارة الصحة والمؤسسات الطبية المحلية المجتمع الدولي والهيئات الإنسانية إلى التحرك العاجل لإدخال الأدوية الحيوية والمضادات المتطورة، وتوفير الدعم الفني والمادي لبرامج تصنيع الأطراف الصناعية. كما شددت على ضرورة تأمين الكهرباء والوقود للمستشفيات والورش الطبية، باعتبارها شرطًا أساسيًا لبقاء الخدمات الصحية على قيد الحياة.
وفي ظل الحصار المستمر وتفاقم الأوضاع الميدانية، يبدو أن سكان غزة يواجهون مستقبلاً مظلمًا على الصعيد الصحي والإنساني، حيث باتت الإعاقات الدائمة عنوانًا مريرًا لمرحلة لا تُشبه أيًا من الأزمات السابقة في القطاع.
