تواجه المنظومة الصحية في قطاع غزة واحدة من أعقد مراحلها منذ بدء الحرب، وسط تزايد الحاجة إلى الإجلاء الطبي الخارجي ونقص الخدمات المتخصصة داخل القطاع، ما يترك آلاف المرضى في دائرة الخطر.
وكشفت منظمة الصحة العالمية (WHO) أن نحو 16,500 مريض لا يزالون بحاجة إلى رعاية طبية عاجلة غير متوفرة في غزة، تشمل خدمات جراحية متقدمة، وعلاج السرطان، وغسيل الكلى، وجراحات العظام المعقدة، والرعاية المركزة.
وفي 5 نوفمبر، تمكنت المنظمة من تسهيل إجلاء 19 مريضًا فقط، من بينهم 17 طفلًا إضافة إلى رجلين، يرافقهم 93 مرافقًا من أفراد عائلاتهم. وتأتي هذه الدفعة ضمن جهود مستمرة منذ بدء وقف إطلاق النار، حيث ارتفع عدد المرضى الذين تم إجلاؤهم خلال هذا الشهر إلى 165 مريضًا، بينهم 105 أطفال و32 رجلًا و28 امرأة.
ورغم أن هذا العدد يعكس تحسنًا طفيفًا مقارنة بالأشهر الأولى للحرب، فإنه لا يزال أقل بكثير من الاحتياج الفعلي، خصوصًا مقارنة بالشهر الذي سبق وقف إطلاق النار، والذي شهد إجلاء 146 مريضًا فقط.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن هذا الارتفاع النسبي ما يزال غير كافٍ أمام حالات العجز داخل المستشفيات، التي تعاني من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، فضلًا عن تعطل عدد من الأقسام الحيوية نتيجة القصف أو نقص الوقود.
وقد أدى ذلك إلى تراجع قدرة القطاع الصحي عن إجراء آلاف العمليات الجراحية، إلى جانب توقف معظم خدمات الرعاية المتقدمة، لا سيما علاج السرطان وجراحات القلب والعظام.
وأكدت المنظمة أن معبر رفح يبقى “الممر الحيوي والأهم“ لعمليات الإجلاء الطبي إلى مصر والخارج، مشيرة إلى أنها تمكنت من خلاله منذ بداية الحرب من نقل ما يقارب 4000 مريض لتلقي العلاج خارج غزة.
ويعد المعبر أيضًا بوابة أساسية لدخول الإمدادات الطبية إلى القطاع، في ظل القيود الصارمة التي تفرضها سلطات الاحتلال على دخول المعدات والأدوية عبر المعابر الأخرى.
ومنذ بدء التصعيد، كان معبر رفح يشهد إغلاقات متكررة وتعطيلاً لعمليات المرور، ما أدى إلى تراكم كبير في عدد الحالات التي تحتاج إلى الخروج العاجل.
وتشدد منظمة الصحة العالمية على أن استمرار إغلاق المعبر أو تشغيله بشكل غير منتظم يهدد حياة آلاف المرضى، ولا سيما الأطفال المصابين بالأورام وحالات العناية المركزة ومرضى القلب والكلى.
وفي ظل هذا الوضع، دعت المنظمة إلى فتح معبر رفح وجميع نقاط الدخول إلى غزة بشكل عاجل ومستدام لضمان الإجلاء الطبي المستمر، إلى جانب إدخال المساعدات الصحية بكميات كافية. وأكدت أن إغلاق المعابر لا يعيق فقط نقل الحالات الحرجة، بل يعرقل أيضًا إعادة بناء النظام الصحي المنهار، ويؤخر وصول الأجهزة الأساسية مثل وحدات غسيل الكلى، وحاضنات الأطفال، وأجهزة التنفس الصناعي.
وتحمل منظمة الصحة العالمية تحذيرات واضحة من أن التأخير في نقل المرضى يعني ارتفاعًا متسارعًا في معدلات الوفيات، خاصة بين الفئات الهشة مثل الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة. كما لفتت إلى أن الكثير من الحالات التي تحتاج إلى إجلاء عاجل قد تتدهور إلى مرحلة يصعب معها العلاج حتى بعد نقلها خارج القطاع.
ويؤكد خبراء الصحة أن الاستجابة الإنسانية في غزة لن تقف على توفير الغذاء والمياه فحسب، بل يجب أن تشمل خطة واضحة لإعادة تشغيل المستشفيات وتعويض النقص في الكوادر والتجهيزات والمستلزمات الأساسية، بالتوازي مع ضمان ممرات آمنة وسريعة لنقل الحالات الأكثر خطورة.
وتخلص المنظمة إلى أن المعابر ليست مجرد حدود جغرافية، بل هي “خط حياة“ لآلاف المرضى في غزة، وأن استمرار إغلاقها يعني عمليًا الحكم على كثير منهم بالموت البطيء.
