دعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى فتح تحقيق عاجل ومستقل في ادعاءات خطيرة تتعلق باكتشاف سجون ومراكز احتجاز غير قانونية في مواقع عدّة بجنوبي اليمن كانت خاضعة لسيطرة القوات الإماراتية قبل انسحابها، مشيرًا إلى وجود آثار مادية يُشتبه في استخدامها لممارسات تعذيب ومعاملة حاطة بالكرامة الإنسانية.
وقال المرصد في بيان صحافي اليوم إن الشهادات التي أدلى بها ضحايا ومعتقلون سابقون أفادوا باحتجازهم في هذه المنشآت، إلى جانب المعاينات الأولية والمواد المصوّرة المكتشفة حديثًا، تمثّل تطورًا بالغ الأهمية في مسار المساءلة الجنائية وتحقيق العدالة لضحايا جرائم الاختفاء القسري والتعذيب. وشدّد على ضرورة الحفاظ على المواقع وعدم العبث بها، بما يتيح للجان تقصّي الحقائق فحصها فنيًا والتحقق من صحة الادعاءات وفقًا للقانون الدولي.
وأشار المرصد إلى أن انتقال السيطرة الفعلية على هذه المواقع إلى القوات الحكومية اليمنية يوفّر فرصة عملية لتفعيل آليات دولية معطّلة، وفي مقدمتها تمكين الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري من الوصول إلى تلك المنشآت، داعيًا الحكومة اليمنية إلى تسهيل هذه الزيارة وتوفير الضمانات اللازمة.
وبيّن أن المعاينات الأولية كشفت عن وجود ما يُحتمل أنها سجون سرية في محافظات عدن ولحج والضالع وحضرموت، بما في ذلك مواقع في منطقة “الضبة” بمدينة المكلا، صُمّمت وفق معايير إنشائية تهدف إلى تعميق معاناة المحتجزين وإحداث أضرار جسدية ونفسية طويلة الأمد. وأوضح أن التوثيقات أظهرت زنازين انفرادية خانقة بمقاييس ضيقة تُجبر المعتقل على الوقوف المستمر وتحول دون الجلوس أو النوم، إضافة إلى زنازين جماعية شبيهة بحاويات الشحن طُليت باللون الأسود لامتصاص حرارة الشمس، في ظروف قد ترقى إلى المعاملة القاسية واللاإنسانية أو المهينة المحظورة دوليًا.
ولفت المرصد إلى تقاطع هذه المعطيات مع تقارير حقوقية محلية حديثة، من بينها تقرير “الشبكة اليمنية للحقوق والحريات”، الذي وثّق خارطة سجون غير رسمية في محافظات عدّة، أبرزها في عدن ولحج وحضرموت، مؤكدًا أن التصميم الهندسي للمواقع المكتشفة يتوافق مع إفادات سابقة لضحايا إخفاء قسري تحدّثوا عن “علب معدنية” شديدة الحرارة وأساليب تعذيب شملت الصعق الكهربائي والتعليق والضرب والتهديد بالاعتداء الجنسي والحرمان من الرعاية الطبية.
ورأى المرصد أن نفي وزارة الدفاع الإماراتية وجود مرافق احتجاز سرية لا يكفي لتفنيد الدلائل المتقاطعة التي كشفتها الوثائق والمواد المصوّرة وإفادات الضحايا. كما أشار إلى ضبط القوات الحكومية، عقب سيطرتها على مطار الريان، كميات من المتفجرات وأشراك خداعية يُشتبه في استخدامها بعمليات اغتيال، ما يستدعي تحقيقًا جنائيًا مستقلًا لفحص تلك الادعاءات.
وأكد المرصد أن المعطيات لا تشير إلى تجاوزات فردية معزولة، بل إلى نمط منظم ومخطط للاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب، مطالبًا بتحديد المواقع الإضافية المحتملة والكشف عن مصير المفقودين. وحثّ المقررين الخاصين المعنيين بالتعذيب وبمكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان على طلب زيارة عاجلة لليمن، ودعا إلى تشكيل لجنة تقصّي حقائق دولية مستقلة.
كما طالب المرصد المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات رادعة، تشمل فرض عقوبات وملاحقات قضائية بحق المسؤولين عن إنشاء وإدارة هذه المنشآت، وربط العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية باحترام حقوق الإنسان. ودعا الحكومة اليمنية إلى وضع إطار قانوني شامل لإنصاف الضحايا، يضمن الرعاية الطبية وإعادة التأهيل وحماية الشهود وحق التقاضي والتعويض، ومراجعة سياسات الأجهزة الأمنية لمنع تكرار الانتهاكات وضمان الالتزام بالقانون الدولي.
