أجرى مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين (PJPC)، استبيانًا إلكترونيً لتحديد احتياجات الصحفيين في قطاع غزة، في ظل الواقع المهني والإنساني بالغ الصعوبة الذي يعانوه على إثر أكثر من عامين من حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية.
وأبرز المركز أن حرب الإبادة الإسرائيلية استهدفت العمل الصحفي بشكل مباشر، وتسببت بنتائج بعيدة الأمد على الواقع الصحفي في القطاع، بسبب تدمير البنية التحتية الإعلامية، وتفاقم الأعباء النفسية والمادية على العاملين في هذا القطاع.
وأوضح المركز أن الاستبيان، الذي شارك في تعبئته 130 صحفيًا وصحفية من مختلف مناطق قطاع غزة، جاء في إطار سعيه لرصد التحديات الفعلية التي تعيق عمل الصحفيين، والانتقال من توصيف عام للانتهاكات إلى تحديد احتياجات قائمة على بيانات ميدانية، بما يسهم في توجيه جهود المناصرة والدعم بشكل أكثر دقة وفاعلية.
وقال المركز إن نتائج الاستبيان أظهرت أن القطاع الصحفي في غزة يضم كوادر ذات خبرة مهنية طويلة، حيث أفاد 92.5% من المشاركين بأن لديهم خبرة تزيد عن ثلاث سنوات، إلا أن هذه الخبرات باتت مهددة في ظل هشاشة الاستقرار الوظيفي، بحيث يعمل 61.3% بدوام كامل مقابل 38.9% بنظام متقطع، فيما تصدّر العمل الحر أنماط التعاقد بنسبة 50.4%، يليه العقد الثابت بنسبة 29.8%، ثم العقود المؤقتة بنسبة 19.8%.
وأضاف المركز أن الاستبيان كشف عن واقع صعب لبيئة العمل الصحفي، حيث أفاد 74.8% من الصحفيين بأن جهات عملهم لا توفر لهم أماكن مخصصة للعمل، ما يضطرهم للاعتماد على مساحات عمل مدفوعة أو العمل من منازل تفتقر إلى مقومات الاستقرار، موضحا أن الصحفيين يواجهون ضغوطًا لوجستية كبيرة في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء وضعف خدمات الإنترنت.
وذكر المركز أن 51.1% من الصحفيين يعتمدون على شبكات المولدات التجارية كمصدر للطاقة، بينما يعتمد 35% على الألواح الشمسية، في حين تستهلك متطلبات العمل الصحفي جزءًا كبيرًا من دخلهم، إذ ينفق 33.3% من المشاركين ما بين 20% و30% من رواتبهم على العمل، فيما تتجاوز هذه النسبة 30% من الدخل لدى 29.2% من العينة.
وأشار المركز إلى أن الاستبيان أظهر رغبة واضحة لدى الصحفيين في تطوير مهاراتهم المهنية لمواجهة التحديات المتزايدة، حيث تصدرت مهارات التواصل مع الصحف للعمل الحر، وإنتاج المحتوى الرقمي ، وبناء الهوية المهنية عبر منصات التواصل الاجتماعي قائمة الاحتياجات المهنية للصحفيين، إضافة إلى صحافة الهاتف المحمول، إلى جانب مهارات التحقق من المعلومات، والإسعافات الأولية، وتوثيق الانتهاكات.
وأشار المركز إلى أن نتائج الاستبيان بيّنت أن الأثر النفسي كان من أبرز وأخطر التحديات التي يواجهها الصحفيون، بحيث أفاد 74.2% من المشاركين بتعرضهم لإصابة أو صدمة نفسية خلال فترة الإبادة، نتيجة التغطية الميدانية المكثفة للمجازر، والتعرض المباشر لمشاهد القتل والدمار، إضافة إلى فقدان أفراد من العائلة أو التعرض للاستهداف.
وأفاد المركز بأن 90.8% من الصحفيين المشاركين لم يحصلوا على أي جلسات تفريغ نفسي أو دعم نفسي متخصص، رغم استمرار معاناتهم، فيما عبّر 72.5% عن حاجتهم الملحّة إلى تدخلات نفسية مهنية، ما يعكس فجوة خطيرة في الاستجابة النفسية المقدمة للصحفيين ضمن برامج الدعم الإنسانية.
وشدد مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين على أن هذه النتائج تؤكد أن ما يواجهه الصحفيون في قطاع غزة يتجاوز كونه أزمة مهنية، ليشكل قضية حقوقية وإنسانية تتطلب تحركًا دوليًا جادًا.
ودعا المركز بهذا الصدد المجتمع الدولي، والمؤسسات الأممية، والمنظمات المعنية بحرية الصحافة، إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية في حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة، ومحاسبة المسؤولين عن استهدافهم، وضمان عدم الإفلات من العقاب.
ونبه المركز إلى أهمية إدماج الدعم النفسي المتخصص للصحفيين ضمن برامج الاستجابة الإنسانية الدولية، باعتباره جزءًا أساسيًا من حماية الصحفيين وضمان سلامتهم، إلى جانب دعم استمرارية العمل الصحفي عبر برامج مستدامة توفر الحد الأدنى من بيئة عمل آمنة، وتمكّن الصحفيين من مواصلة نقل الحقيقة وحماية التعددية الإعلامية في ظل محاولات مستمرة لإسكات الصوت الصحفي الفلسطيني.
وأكد مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين أن تلبية الاحتياجات المهنية واللوجستية والنفسية للصحفيين في قطاع غزة تمثل ضرورة ملحّة لضمان استمرارية العمل الصحفي في ظل الخسائر الكبيرة التي تكبدها القطاع الصحفي خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، لا سيما مع استهداف وقتل عدد كبير من الصحفيين ذوي الخبرة.
وأشار المركز إلى أن فقدان هذه الكفاءات المهنية خلّف فجوة حقيقية في المشهد الإعلامي، ما يستدعي استجابة عاجلة لتمكين الصحفيين العاملين حاليًا، وتعزيز قدراتهم المهنية، وتوفير بيئة عمل تمكّنهم من سد النقص المتزايد وضمان نقل الوقائع بمهنية ودقة في واحدة من أكثر السياقات تعقيدًا وخطورة.
وشدد المركز على أن تمكين الصحفي الفلسطيني في قطاع غزة يُعد ركيزة أساسية في مواجهة محاولات كتم صوته وتغييب الرواية الفلسطينية، في ظل سياسات ممنهجة تستهدف إسكات الإعلام المحلي وفرض سردية واحدة على الرأي العام الدولي.
وذكر المركز بأن دعم الصحفيين وتمكينهم من الاستمرار في أداء عملهم بأمان ومهنية يشكّل عنصرًا حاسمًا في حماية الحق في المعرفة، وضمان وصول صوت الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة إلى العالم، مؤكدًا أن أي تقاعس عن ذلك يساهم في تكريس العزل الإعلامي وتقييد حرية الصحافة في أكثر المناطق خطورة على العمل الصحفي في العالم.
وأوصى المركز في ختام بيانه المؤسسات الصحفية والمنظمات ذات الصلة بالاستجابة الفورية في المسارات التالية:
-توفير معدات العمل الأساسية ومساحات عمل مزودة بالطاقة والإنترنت لتقليل التكاليف التشغيلية عن الصحفيين ضمن سياق الدعم اللوجستي.
-إطلاق برامج دعم نفسي متخصصة وطويلة الأمد للصحفيين وعائلاتهم من أجل تحسين صحتهم النفسية.
– تقديم دورات متخصصة في “الصحافة المستقلة” والأمن الرقمي لضمان استمرارية نقل الرواية الفلسطينية بمهنية وأمان من أجل تمكين الصحفيين مهنيًا.
