تحولت حياة ماجدولين محمد بابكر إلى مسار طويل من المعاناة المركبة، حيث لم يعد المرض وحده هو التحدي، بل ترافق مع النزوح القسري وتداعيات الحرب في السودان. منذ نحو 19 عاما، تواجه مرض السرطان الذي بدأ في الثدي قبل أن يمتد إلى الرئة ثم العمود الفقري، ما ضاعف الألم الجسدي وأثقل كلفة العلاج المستمر الذي لا يحتمل التأجيل.
فقدان المعيل وتحوّل المرض إلى عبء اقتصادي
فقدت ماجدولين زوجها في خضم هذه الرحلة، لتجد نفسها دون مصدر دخل ثابت، ما دفعها إلى العمل رغم تدهور حالتها الصحية. لم يعد العلاج خيارا طبيا فقط، بل معركة يومية لتأمين تكاليف باهظة، في سياق اقتصادي منهك أصلا بفعل الحرب والانهيار المعيشي.
خلال نزوحها إلى مدينة الأبيض، واجهت صعوبة مزدوجة تمثلت في غياب الأدوية وارتفاع أسعارها، إذ تصل تكلفة الجرعة الواحدة إلى نحو 80 ألف جنيه سوداني، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم المرضى. هذا الواقع دفعها إلى البحث المستمر عن الدواء في ولايات أخرى، دون ضمان استمرارية العلاج.
العودة إلى الخرطوم بحثا عن فرصة علاج
عادت ماجدولين إلى الخرطوم بعد أشهر من النزوح، أملا في الحصول على علاج أكثر انتظاما داخل مستشفى الذرة للأورام. ورغم تحسن نسبي في توفر الأدوية، استمرت المعاناة مع ارتفاع التكاليف، ما أبقاها عالقة بين ضغط المرض وضيق الموارد. تلقت دعما إنسانيا محدودا من محيطها الاجتماعي، حيث ترافقها جارتها في زيارات العلاج، في محاولة لتخفيف وطأة التجربة.
تتقاطع تجربة ماجدولين مع قصص أخرى لمرضى يواجهون الخيارات الصعبة نفسها. فاطمة، وهي مريضة أخرى، اضطرت للسفر إلى مصر لتلقي العلاج قبل أن تعود إلى السودان بسبب الكلفة المرتفعة، لتجد أن الاستمرار في الداخل أقل كلفة رغم محدودية الإمكانات. هذا النمط يعكس واقع المرضى الذين يتنقلون بين خيارات علاجية قسرية تحكمها القدرة المالية أكثر من الاعتبارات الطبية.
نظام صحي تحت ضغط الحرب والانهيار
كان مستشفى الذرة يستقبل قبل الحرب نحو ألفي مريض يوميا، مع تقديم معظم الخدمات مجانا، لكن الأضرار التي لحقت به قلصت قدرته التشغيلية. دفع ذلك الإدارة إلى فرض رسوم على بعض الخدمات لضمان الاستمرارية، في ظل غياب بدائل علاجية كافية داخل البلاد، ما عمّق الفجوة بين الحاجة الطبية والقدرة على الوصول إلى العلاج.
تكشف قصة ماجدولين عن واقع أوسع يعيشه مرضى السرطان في السودان، حيث تتقاطع هشاشة النظام الصحي مع تداعيات الحرب والفقر، لتفرض معادلة قاسية: إما تحمل الألم دون علاج كاف، أو الانخراط في سباق يومي لتأمين كلفة البقاء.
