نوافذ حقوقية ٣ دقائق قراءة

أطفال السودان يتمسكون بالتعليم رغم أهوال الحرب

لم تنجح الحرب الدائرة في السودان في كسر طموح الطفلة أفراح، التي تواصل التمسك بحلمها في أن تصبح طبيبة جراحة، رغم واقع يحرم ملايين الأطفال من حقهم في التعليم. في مخيم قرب بورتسودان، تروي الفتاة البالغة 13 عاما كيف واصلت مراجعة دروسها بإصرار خلال أشهر الانقطاع عن الدراسة، بعد نزوح عائلتها جراء المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع.

استعادت أفراح مسارها التعليمي بدعم من اليونيسيف وشراكة مع جمعية محلية، لتكون واحدة من أكثر من 25 مليون طفل وقاصر في السودان، يشكلون نصف السكان تقريبا، بينهم نحو 8 ملايين خارج المدارس حاليا وفق تقديرات المنظمة الأممية.

مظاهر الحياة تدريجيا

في مخيم الهيشان، تمتد خيام مصطفة على هيئة مربع، تحاكي مدرسة تضم أكثر من ألف تلميذ. داخل هذا الفضاء القاسي، تعود مظاهر الحياة تدريجيا. أصوات الضحك تقطع سكون المكان، وأطفال نجوا من القصف والجوع يستعيدون لحظات اللعب خلال فترات الاستراحة.

يرصد المعلمون تحولا لافتا في سلوك الأطفال. في البداية، سيطرت مشاهد الحرب على رسوماتهم، حيث ظهرت الدبابات والأسلحة وصور الموت التي عايشوها أثناء النزوح. لاحقا، بدأت هذه الرسومات تتغير، مع تعافي تدريجي يعكس قدرة الأطفال على التكيف واستيعاب ما مروا به.

في إحدى الخيام، يتدرب الأطفال على قواعد النظافة برفقة اختصاصية اجتماعية، بينما يتناوب آخرون على إلقاء القصائد في خيمة مجاورة. وفي مشهد يعكس تداخل الأدوار، تشرح معلمة نازحة دروس الكيمياء والفيزياء، فيما يتمسك طفلها الصغير بثوبها.

التعليم حماية

تؤكد المتحدثة باسم اليونيسيف ميرا نصر أن التعليم يمثل شكلا أساسيا من الحماية، وتوضح أن هذه المساحات تمنح الأطفال فرصة لاستعادة قدر من الحياة الطبيعية، من خلال التعلم واللعب وبناء العلاقات.

تحمل ذاكرة النزوح مشاهد قاسية. تتحدث المعلمة عواطف الغالي عن الأيام الأولى بعد مغادرة شمال دارفور، حين تاهت آلاف العائلات على الطرقات. في تلك الظروف، بادر نحو 60 معلما إلى تنظيم العملية التعليمية، فقسموا التلاميذ حسب مستوياتهم ووضعوا جداول دراسية وبدأوا بإعادة الدروس.

واجهت العملية تحديات كبيرة، خاصة في بدايتها، كما تروي سعاد عوض الله التي أمضت أربعة عقود في تدريس اللغة الإنجليزية. احتاج الأطفال إلى وقت وصبر، خصوصا بعد أن فقد بعضهم مهارات القراءة والكتابة نتيجة الانقطاع الطويل.

رغم ذلك، برزت مؤشرات تقدم واضحة. تمكنت أول دفعة من التلاميذ من الانتقال إلى المرحلة الإعدادية، في إنجاز يعكس قوة الإرادة الجماعية. حتى في أقسى الظروف، تحت حرارة الصيف وانتشار الحشرات، أظهر الأطفال رغبة لافتة في التعلم، بل سعى بعضهم إلى دروس إضافية خارج أوقات الدراسة.

طموحات جديدة

تتشكل طموحات جديدة داخل المخيم. فاطمة، البالغة 16 عاما، تسعى إلى أن تصبح طبيبة نفسية لمساعدة المتضررين من الحرب، مستندة إلى تجربة شخصية مؤلمة عاشتها عائلتها. في المقابل، يطمح إبراهيم إلى العمل في هندسة البترول، رغم اشتياقه لمدرسته القديمة في الخرطوم.

تكشف الأرقام عن حجم الأزمة. نحو 5 ملايين طفل نزحوا داخل السودان، ويعاني عدد كبير منهم من الجوع، بينهم أكثر من 825 ألف طفل دون الخامسة يواجهون سوء تغذية حادا. كما تتزايد المخاوف من تجنيد الأطفال وانتشار العنف الجنسي، ما يفاقم عوائق العودة إلى التعليم.

وسط هذه المعاناة، يواصل الأطفال البحث عن مساحات للحياة. خلال فترات الاستراحة، يركضون حول معلميهم، يضحكون ويلعبون، ويصنعون بأصابعهم أشكالا بسيطة تعبّر عن الأمل، في محاولة لاستعادة طفولة سلبتها الحرب.

اقرأ أيضاً

الرئيسية