في قاعة مكتظة داخل مدرسة جميل الرواس الرسمية في بيروت، جلست مايا صقر، ذات الأربعة عشر عاما، على فرشة رقيقة، محاطة بضجيج أطفال ونداءات أمهات وقلق لا يغيب.
تحولت المدرسة إلى مأوى مؤقت لعائلات نزحت تحت وقع العدوان العسكري الإسرائيلي، وباتت تفاصيل الحياة اليومية تتشكل داخل مساحة ضيقة تفتقر لأبسط مقومات الاستقرار.
تمسك مايا بحقيبة مكياج صغيرة، هي الشيء الوحيد الذي حملته معها أثناء الفرار من منزلها في الضاحية الجنوبية لبيروت. تصف لحظة النزوح كما لو أنها حدثت قبل دقائق، حين تسارعت الانفجارات وتداخلت الأصوات، واندفع الجميع نحو الهروب دون وقت للتفكير. لم تلتفت سوى إلى تلك الحقيبة، وغادرت.
داخل هذه الحقيبة، لا تحتفظ مايا بمستحضرات تجميل فحسب، بل تحفظ جزءا من هويتها الشخصية. تتابع مقاطع تعليمية وتحاول التدريب كلما سنحت لها الفرصة، وتقول إن ذلك يمنحها شعورا بالقدرة على خلق شيء جميل وسط واقع قاس يفرض نفسه عليها.
عائلة تواجه النزوح والمرض معا
تتقاسم العائلة مساحة واحدة مع أسر أخرى، في ظروف تتسم بالاكتظاظ وغياب الخصوصية. يرقد والدها على فرشة قريبة، يصارع مرض السرطان في ظل انقطاع شبه كامل عن الرعاية الطبية المنتظمة.
تبدو ملامح الإرهاق واضحة، فيما تحاول الأم التنقل بين رعايته والاعتناء بالطفل الأصغر الذي لا يستوعب ما يحدث، لكنه يشعر بالخوف الدائم.
تشرح مايا – وفق شهادة نشرتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان- أن الوصول إلى العلاج بات معقدا، في ظل غياب المعلومات وتشتت الخيارات، ما يضاعف القلق على صحة والدها. في الوقت ذاته، تتحمل شقيقتها الكبرى مسؤوليات تفوق عمرها، في محاولة للحفاظ على تماسك العائلة.
ليال بلا نوم وذاكرة مثقلة بالخوف
يتحول الليل إلى مساحة مفتوحة للقلق. تستيقظ مايا أحيانا على وقع أصوات تتخيلها، ظنا منها أن القصف عاد من جديد. حتى في لحظات الهدوء، لا يغيب التوتر الداخلي. تعكس هذه الحالة أثرا نفسيا عميقا يتجاوز لحظة النزوح ليلازم تفاصيل الحياة اليومية.
في مواجهة هذا الواقع، تلجأ إلى حقيبتها الصغيرة. ترتب محتوياتها بعناية، وتستخدم أدواتها كما لو أنها تستعيد جزءا من السيطرة على حياتها. تقول إن هذه اللحظات تذكرها بأن لديها مستقبلا لم ينته بعد.
شهادة إنسانية على كلفة النزاع
توثق مفوضية الأمم المتحدة هذه الحالات بوصفها جزءا من صورة أوسع.
تشير المعطيات التي رصدتها المفوضية إلى أن أكثر من مليون شخص في لبنان اضطروا إلى مغادرة منازلهم منذ تصاعد الأعمال العدائية في مارس، مع تضرر واسع في البنية التحتية والمرافق الأساسية.
يرى ممثل المفوضية الإقليمي أن هذه القصص تمثل دليلا مباشرا على الكلفة البشرية للنزاع، وتسهم في توثيق أنماط الانتهاكات والتحديات التي تواجه المدنيين، بما في ذلك صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية والخدمات الأساسية.
تؤكد المفوضية أن القانون الدولي الإنساني يفرض على جميع الأطراف التمييز بين المدنيين والمقاتلين، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحمايتهم، في وقت تظهر فيه الوقائع الميدانية اتساع الفجوة بين النصوص القانونية والواقع.
حلم بسيط في مواجهة واقع معقد
وسط هذا المشهد، تختصر مايا مطالبها في أشياء بسيطة ومباشرة. العودة إلى المنزل، تحسن صحة والدها، واستعادة شعور الأمان لشقيقها الصغير. تنظر إلى حقيبتها مرة أخرى، وتتمسك بحلمها في أن تصبح خبيرة تجميل، باعتباره خيطا رفيعا يربطها بمستقبل لم تفقده بالكامل بعد.
