تتفاقم أزمة شحّ المياه في السودان لتتحول إلى انتهاك مباشر للحق في الحياة والصحة، في ظل عجز السلطات عن تأمين الحد الأدنى من خدمات المياه النظيفة لملايين السكان.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن مدناً رئيسية، بينها الخرطوم والأبيض والقضارف، تواجه نقصاً حاداً في إمدادات المياه، بينما حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من وصول الأزمة إلى مستوى حرج، خصوصاً في مدينة الأبيض.
ترتبط الأزمة بشكل وثيق بتداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، حيث تعرّضت البنية التحتية للمياه إلى تدمير واسع نتيجة القصف المتكرر لمحطات الإنتاج والتوزيع، إضافة إلى أعمال النهب والتخريب التي طالت المعدات الحيوية والمولدات الكهربائية.
وأدى انقطاع الكهرباء ونقص الوقود إلى تعطيل الآبار المحلية، ما ضاعف من معاناة السكان، خاصة في المناطق التي تستضيف نازحين عادوا من اللجوء ليجدوا أنفسهم أمام نقص حاد في المياه وارتفاع غير مسبوق في أسعارها.
في العاصمة الخرطوم، خرجت معظم محطات المياه عن الخدمة، إذ تضررت 12 محطة من أصل 13، ما أجبر السكان على الاعتماد على مصادر غير آمنة أو السوق السوداء.
ويقضي آلاف المواطنين ساعات طويلة في انتظار صهاريج المياه، بينما يضطر آخرون إلى شراء مياه ملوثة من آبار خاصة، في ظل غياب الرقابة، ما يهدد بتفشي أمراض وبائية، من بينها الكوليرا.
في مدينة الأبيض، تبدو الصورة أكثر قسوة، حيث أدى تدمير مصادر المياه وانقطاع الكهرباء إلى توقف الإمدادات بشكل كامل، ما دفع بعض المستشفيات إلى إغلاق أبوابها أو تقليص خدماتها لعدم توفر المياه.
وتواجه المدينة، التي يقطنها أكثر من مليون شخص، خطر كارثة صحية متفاقمة، في وقت تتزايد فيه أسعار المياه إلى مستويات تفوق قدرة السكان، ما يدفع بعضهم إلى النزوح مجدداً.
أما في ولاية القضارف، فرغم عدم استهداف البنية التحتية بشكل مباشر، فإن نقص الوقود وضعف الإمكانات التشغيلية حوّلا المياه إلى سلعة تجارية باهظة الكلفة، ما يثقل كاهل الأسر الفقيرة ويقوّض قدرتها على الوصول إلى هذا المورد الأساسي.
تعكس هذه التطورات فشلاً واضحاً في الوفاء بالالتزامات الأساسية تجاه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وعلى رأسها الحق في الحصول على مياه آمنة وميسورة التكلفة.
ومع استمرار غياب الحلول الجذرية، تتجه الأزمة نحو مزيد من التعقيد، ما يستدعي تدخلاً عاجلاً يضمن حماية المدنيين وإعادة تأهيل البنية التحتية للمياه، بوصفها شرطاً أساسياً للبقاء.
