رغم مرور أسابيع على وقف إطلاق النار الهش في قطاع غزة، لا تزال أزمة المياه الخانقة تهيمن على حياة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون وسط دمار واسع وحصار مستمر.
فقد أدى تدمير إسرائيل للبنية التحتية الحيوية، ومنع دخول الوقود والمعدات، إلى شلل شبه كامل في نظام المياه والصرف الصحي، تاركة السكان في مواجهة عطش حقيقي ومخاطر بيئية وصحية متصاعدة.
يقول المسئولون في بلدية غزة، إن كميات المياه التي تصل اليوم إلى سكان القطاع لا تتجاوز 15 في المائة من الاحتياجات الفعلية، أي نحو 100 ألف متر مكعب يومياً فقط، فيما تتجاوز الحاجة اليومية 600 ألف متر مكعب.
ويضيفون أن “الوضع كارثي بكل المقاييس، فالكثير من الأحياء لا تصلها المياه لأيام طويلة، والبلدية عاجزة عن تشغيل معظم الآبار بسبب نفاد الوقود وتعطل المعدات”.
وخلال الحرب التي استمرت عامين وانتهت في 11 أكتوبر/تشرين الأول بوقف إطلاق النار، دُمّرت أغلب آبار المياه ومحطات التحلية. فمن أصل 88 بئراً كانت تغذي غزة قبل الحرب، لم يعد يعمل سوى 17 بئراً، بينما توقفت محطة التحلية المركزية عن العمل بشكل كامل.
وتعتمد البلديات حالياً على خط مياه واحد من شركة ميكوروت الإسرائيلية، يضخ نحو 15 ألف متر مكعب يومياً، وهي كمية ضئيلة للغاية ولا يمكنها تلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان.
ويشير مسئولون محليون إلى أن الكارثة ليست وليدة الحرب الأخيرة فقط، فحتى قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 كانت أزمة المياه في غزة مزمنة بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض منذ أكثر من 18 عاماً.
ووفقاً لتقديرات منظمة اليونيسف في عام 2020، فإن 10% فقط من سكان القطاع كانوا يحصلون على مياه شرب آمنة، بينما يضطر أكثر من نصف السكان إلى شراء المياه من محطات خاصة بسبب ارتفاع نسب الملوحة والتلوث في الشبكات العامة.
لكن الحرب الأخيرة جعلت الأزمة أكثر عمقاً. ففي الأيام الأولى للهجوم، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت أنه “لن يُسمح بإدخال أي كهرباء أو ماء أو غاز أو طعام إلى غزة”، ما أدى إلى انهيار أنظمة الإمداد بالمياه بشكل كامل.
وقد تعرضت شبكات التوزيع والأنابيب في مختلف أنحاء القطاع لأضرار جسيمة بفعل القصف المتواصل، في حين أُجبر آلاف السكان على شرب مياه غير معالجة أو ملوثة.
وتؤكد بلدية غزة أن نقص الوقود والمعدات الثقيلة هو التحدي الأكبر أمام إصلاح البنية التحتية، وأن إسرائيل تواصل منع دخول الجرافات والمولدات والمضخات التي تحتاجها البلدية لاستعادة الخدمات الأساسية.
كما تعاني غزة من تراكم أكثر من 260 ألف طن من النفايات، بينما لا تزال أكثر من 20 مليون طن من الركام تنتظر الإزالة، في ظل فقدان البلدية 134 مركبة ومعدة تشغيلية نتيجة الحرب.
وقد حذّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقرير حديث من أن الدمار الذي لحق بغزة أنتج نحو 61 مليون طن من الأنقاض، يُعتقد أن 15% منها ملوثة بمواد سامة مثل الأسبستوس والمعادن الثقيلة.
وقالت المديرة التنفيذية للبرنامج، إنغر أندرسن، إن استمرار هذا الوضع “سيترك إرثاً بيئياً مدمّراً يؤثر على صحة ورفاهية أجيال من سكان غزة”.
وتفيد تقارير إسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي بدأ التخلص من مخلفات البناء داخل القطاع، عبر تفريغ شاحنات محملة بالأنقاض في شوارع غزة، ما يزيد من خطر التلوث ويعرقل جهود إعادة الإعمار.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو أزمة المياه في غزة جزءاً من أزمة إنسانية وبيئية شاملة يصعب تجاوزها من دون رفع القيود المفروضة على الوقود والمعدات وإطلاق خطة دولية عاجلة لإصلاح البنية التحتية. فالمياه، التي كانت شريان الحياة في القطاع المحاصر، أصبحت اليوم رمزاً للمعاناة المستمرة، ودليلاً على أن وقف إطلاق النار لم يوقف الكارثة.
