خالد دادر، ناشط فلسطيني
الاعتقال الإداري هو سياسةٌ تنتهك جملة من القوانين دوليةً كانت أم محلية، وآلة قمع لا تتوقف، لا تفرق بين كبير ولا صغير، ولا رجل ولا امرأة. فيُعّرف الاعتقال الإداري أنه إجراء احترازي صادر من جهة ما باعتقال شخص لمدة وأسباب غير معلومة بناءً على ملفات استخبارية سرية وفي بعض الأحيان لنقص الأدلة ضد الشخص المقصود.
إنسانيًا كما قانونيًا، نجد أنّ الاعتقال الإداري اعتقال تعسفي غير مبرر، فالمذنب، يُعاقب بما يقتضيه القانون ويراه عدلاً. ففي المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تنص على أنه “لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفياً،” تقتضي كلمة “تعسفياً” معاني الظُلم والجور، أي أن الاعتقال أو الحجز التعسفي اعتقال مخالف للقانون بالدرجة الأولى بحيث لا يكون هناك دليل ضد الشخص المُحتجز.
وبالنظر لأسباب الاعتقال القانوني، نجد أولها هو ارتكاب الجريمة، أو أن الشخص كان على وشك ارتكاب جريمة بوجود دليل يٌثبت ذلك، ومدة العقاب تختلف باختلاف الجُرم المُرتكب وبما يراه القضاء مناسباً وعدلاً. إضافة لذلك، من حق الشخص المُعتقل معرفة سبب الاعتقال، وإبلاغ عائلته، وتمكينه من توكيل محامٍ له. فهذه الشروط أساسية وحق قانوني للشخص المُعتقل. ولكن الاعتقال الإداري التعسفي، لا يمتثل لهذه الشروط القانونية بل وينتهكها، حيثُ يُعتقل الشخص دون إبداء أسباب، فهو مبني على السرية التامة.
لم تحظر القوانين الدولية الإعتقال الإداري بالمطلق، ولكن وضعت له ضوابط صارمة للجوء إليه في ظروف طارئة واستثنائية فقط. بدايةً، يُعتبر الاعتقال الإداري إجراء فردي – لا يكون جماعياً البتة – وفي ظروف قاهرة وعند تعذر الدعوى الجنائية. وبمعنى آخر، الاعتقال الإداري لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون بديلاً عن الدعوى الجنائية. فيحق للشخص المُعتقل معرفة الأسباب وراء اعتقاله، و الطعن فيها وفي شرعيتها، كما اللجوء لمحامٍ للنظر في الإدعاءات. فضلاً عن ذلك، يجب توفير الرعاية الصحية الكاملة للمعتقل والسماح له بالتواصل مع الأهالي وتوفير المحاكمة العادلة.
أرقام وإحصائيات:
ومن الواضح أن الاعتقال الإداري التعسفي أصبح سياسة مُمنهّجة يتبعها الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينين منذ النكبة إلى يومنا هذا. فعلى مر السنين، اعتقلت قوات الاحتلال عشرات الآلاف من الفلسطينين إدارياً بذريعة تهديد الأمن الإسرائيلي. وبحسب مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسليم)، من عام 2001 لعام 2020، تم اعتقال ما يزيد عن 10 آلاف فلسطيني اعتقالاً إدارياً. وبحسب الإحصائيات، بلغ في عام 2011 عدد المعتقلين الإداريين 24 معتقلًا فقط مقارنةً ب 960 معتقلًا لعام 2002، ومن ثم انخفض العدد من العام 2007 حتى 2010 حيث وصل ذلك العام ل 189 معتقل إداري، ولكن سرعان ما ارتفعت وتيرة الاعتقال الإداري مرة أخرى إلى أن وصل العدد في المدة ما بين 2015 إلى يومنا هذا 2869 معتقلًا إداريًا. وإن كان ذلك نتاج شيء، فهو نتاج إفلات إسرائيل من العقاب والمحاسبة لمخالفة القوانين الدولية إزاء الاعتقال الإداري. وتدل هذه الأعداد الضخمة أن سياسية الاعتقال الإداري والتي تكون فردية وبضوابط صارمة، أصبحت جماعية وأشبه بالعقاب الجماعي ضد الفلسطينيين.
يُزج الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية دون إطلاعهم على الأدلة، هذا وإن وجُدت أصلاً، كما لا يعرف المعتقلون المدة التي سيقبعونها في المعتقل، ولا يُسمح لهم باللجوء لمحام أو الطعن في الاعتقال، فليس باستطاعتهم فعل شيء تجاه الادعاءات التي لا يعرفونها أصلاً.
بالنظر للضوابط والشروط السابق ذكرها والتي يجب اتباعها لتطبيق الاعتقال الإداري إن لزم، نجد أن الاحتلال الإسرائيلي لا يطبقها بل ويتفنن في سن قوانين جديدة تنتهك كل الحقوق الأساسية.
خلفية قانونية:
يُمثل الاعتقال الإداري انتهاكًا صارخًا للقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية والتي ضمنت حق الفرد في الحرية من الاعتقال التعسفي، كما حقه في المعاملة الإنسانية، والمحاكمة العادلة، والمساندة القانونية كما الرعاية الصحية.
نصت المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على “لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا.” وجاءت المادة 9 في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لتكرّس نفس الحق، حيث نصت أن “لكل فرد حق في الحرية وفى الأمان على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفاً.” فنجد أن الاعتقال الإداري التعسفي الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية على نحو جارف يُمثل انتهاكاً صارخاً لهاتين المادتين.
أما بالنسبة للسرية التي يُبنى عليها الاعتقال الإداري، فيُمثل ذلك اختراقاً لذات المادة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تنص في بقيتها على الآتي “يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعاً بأية تهمة توجه إليه.” وذلك يتنافى مع سياسات القوات الإسرائيلية الجائرة في الاعتقال الإداري، حيث تلتزم السرية التامة إزاء التهم المنسوبة للمُعتقل، إن وجدت.
في القانون الدولي الإنساني العرفي، حظرت القاعدة العرفية 99 الحرمان التعسفي من الحرية. وشرحت القاعدة أن الاعتقال الإداري له أسس صارمة سبق ذكرها، وأهمها ما ورد في اتفاقية جنيف الرابعة والتي تقتضي، بموجب المادة 42، على عدم جواز حجز شخص مدني إلا لأسباب أمنية قهرية. كما شرحت القاعدة أنا المادة 43 من نفس الاتفاقية اقتضت حق الشخص المعتقل في إعادة النظر في قرار الاعتقال بأقرب وقت بواسطة لجنة إدارية مختصة.
أما القاعدة العرفية 100 من ذات القانون، فتنص على “لا يدان أي شخص أو يصدر عليه حكم إلا بمحاكمة عادلة تتوفر فيها جميع الضمانات القضائية الأساسية.” بالنظر لهذه القاعدة، نجد أن الاعتقال الإداري التعسفي ينتهك القاعدة بشكل واضح، حيث تحرم السلطات الإسرائيلية المعتقلين من حقهم في المساندة القانونية، ولا يسمح لهم بحضور المحكمة العسكرية. وفي نفس السياق، ضمنت المادة 71 من اتفاقية جنيف الرابعة هذا الحق، حيث نصت المادة على أنه “لا يجوز للمحاكم المختصة التابعة لدولة الاحتلال إصدار أي حكم إلا إذا سبقته محاكمة قانونية.”
أما المادة 72 من الاتفاقية ذاتها، ضمنت حق المعتقل في تقديم الأدلة للدفاع عن نفسه كما ضمنت الحق بالمساندة القانونية كالاستعانة بمحامٍ، فنصت المادة على أنّ “أي متهم له الحق في تقديم الأدلة اللازمة لدفاعه، وعلى الأخص استدعاء الشهود. وله حق الاستعانة بمحام مؤهل يختاره يستطيع زيارته بحرية وتوفر له التسهيلات اللازمة لإعداد دفاعه.”
والواضح، أن الاحتلال الإسرائيلي ضرب هذه القوانين بعرض الحائط وانتهكها وما زال ينتهكها انتهاكاً واضحاً.
في الوقت الذي ما زال شبح الاعتقال الإداري يلاحق الفلسطينيين، أدعو المجتمع الدولي والجهات المختصة لممارسة الضغط على السلطات الإسرائيلية لوضح حدٍ للاعتقال الإداري التعسفي، والالتزام بالمواد القانونية في كلٍ من اتفاقية جنيف الرابعة والقانون الدولي الإنساني العرفي، وكافة القوانين التي تم ذكرها، وفضلاً عن ذلك، الإفراج عن جميع المعتقليين الإداريين في السجون الإسرائيلية.
