وباستضافة القمة، تعزز الإمارات مكاناتها بين أبرز الدول الرائدة في مجال الاقتصاد الأزرق في منطقة الشرق الأوسط، ولكن هل أخذ منظمو القمة بعين الاعتبار السجل الحقوقي لاقتصاد الإمارات الأزرق قبل اختيارها لاستضافة هذه القمة؟
تسعى الإمارات لبسط نفوذها والسيطرة على أكبر قدر ممكن من الموانئ العالمية من أجل دعم وتعزيز اقتصادها الأزرق والذي يشكل ما نسبته 68% من الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات، إذ تمر نحو 40% من شحنات العالم من مياها، وتدير وتشغل الإمارات حاليًا 77 ميناءً على مستوى العالم.
لا ينكر أحد حق كل دولة في البحث عن مصالحها وتوسيع استثماراتها حول العالم لدعم وتطوير اقتصادها، لكنّ ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب مصالح أو حقوق دول أخرى. ويبدو جليًا أن الإمارات استثمرت كثيرًا في تحقيق غاية الوصول إلى اقتصاد أزرق مزدهر، لكن الوسائل التي حققت بها تلك الغاية لم تكن نزيهة، ولم تكد تخلو من انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان مارستها الإمارات بشكل مباشر، أو مولت وكلاء أو حلفاء لها لينفذوا تلك الممارسات في المنطقة.
منذ اليوم الأول لمشاركة الإمارات في التحالف العربي في اليمن، لم تتوقف عن محاولة السيطرة على موانئها، وبالفعل تسيطر اليوم على معظمها (من الشحر شرقًا وحتى المخا غربًا). وبدلًا من أن تساعد في تحسين الوضع الاقتصادي والإنساني في اليمن الذي يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم، تحرم الإمارات اليمنيين والحكومة الشرعية من الاستفادة من تلك الموانئ التي تسيطر عليها، إذ تبقيها تحت سيطرتها ولا تسمح بإدخال عبر هذه الموانئ إلا ما يتوافق مع أجندتها كما هو الحال في ميناء المخا الذي تستخدمه لنقل السلاح والمعدات بينما تحرم الحكومة اليمنية من عوائد تناهز 12 مليار ريال يمني في حال تم استغلال هذا الميناء إلى جانب ميناء بلحاف النفطي التي كانت عوائده تصل إلى ما يقرب من 4 مليار دولار قبل أن تسيطر عليه الإمارات.
المراقب لحال الموانئ التي تسيطر عليها الإمارات في اليمن يجد أنها لا تسعى لإعادة تشغيلها أو وتطويرها، بل على العكس تمامًا تعمل على تعطيلها حتى لا يكون باستطاعتها منافسة موانئها، كما هو الحال في ميناء عدن ذو الأهمية الاستراتيجية والتاريخية الذي تسيطر عليه الإمارات وتعيق العمل فيه حتى لا ينافس ميناء جبل علي في دبي.
لم تكتف الإمارات بالسيطرة على الموانئ وتعطيلها، بل ذهبت أبعد من ذلك عندما اقتحمت قوات تابعة لها في 30 يونيو 2020 ميناء المكلا، واحتجزت خمس حاويات من أموال الدولة المطبوعة في روسيا، تقدّر حمولتها بأكثر من 200 مليار ريال يمني، ولم تسلّم البنك المركزي اليمني سوى جزء من هذه المبالغ، فيما تشير تقديرات إلى أنّ الجزء الأكبر من تلك الأموال ذهبت للقوات الموالية في المجلس الانتقالي الجنوبي.
أما بالنسبة للاعتداءات على اليمنيين في تلك الموانئ فسجّل مختصون حوادث عديدة، منها تحويل ميناء بلحاف إلى ثكنة عسكرية تحتوي على سجن سري لإخفاء المختطفين بشكل قسري وتعذيبهم.
في أغسطس 2019، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش، إن التحالف السعودي-الإماراتي في اليمن قتل 47 صيادًا يمنيًا منهم 7 أطفال، واحتجز 100 آخرين، بعضهم تعرَّض للتعذيب أثناء الاحتجاز، منذ بداية 2018 وحتى أغسطس الماضي.
في سبتمبر 2019، كشفت تقارير عن استخدام الإمارات ميناء بربرة الصومالي، الذي ضمته شركة موانئ دبي العالمية، مستغلةً عدم خضوعه للتفتيش من أي حكومة سوى الإمارات، في تهريب البشر والاتجار بهم وخاصة الأطفال الأفارقة وتجنيدهم، ونقلهم عبر البحر ومن خلال الموانئ التي تسطير عليها للمشاركة في الحرب في اليمن وليبيا، مستغلة الأوضاع المعيشية والاقتصادية الصعبة التي يعانون منها.
من الواضح من خلال ممارسات الإمارات للتوسع في مجال الاقتصاد الأزرق أنّها سارت على قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة”، فلا مشكلة لدى القيادة الإماراتية في الإضرار بمصالح اليمنيين وغيرهم وانتهاك حقوقهم المختلفة في مقابل تطوير وتوسيع الاقتصاد الإماراتي.
كان من المفترض أن يتأكد المشاركون في “القمة العالمية للمحيطات” من رؤساء وقادة ومؤسسات ورجال أعمال أنّهم لا يشكّلون من خلال مشاركتهم غطاءً للانتهاكات الإماراتية التي يعمل المدافعون عن حقوق الإنسان من أجل فضحها، وأن يكون لهم دور في توجيه الحكومات لعدم تقديم المصالح الاقتصادية على حقوق الإنسان من خلال نبذ ومقاطعة الأنظمة التي لا تحترم مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي.
