المايك معك ٦ دقائق قراءة

برلمان قطر القادم المنتخب.. هل تكون حقوق الإنسان من أولوياته؟

محمود الناعوق، مترجم لدى المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان

أعلن أمير قطر “تميم بن حمد” عن نية بلاده إجراء انتخابات مجلس الشورى في أكتوبر من العام المقبل، وهي أول انتخابات مجلس شورى في تاريخ البلاد، حيث سيتم انتخاب 30 عضوًا من أصل 45 في حين أن الـ 15 المتبقيين سيعينهم الأمير بنفسه حسب الدستور.

الإعلان يمثل تقدمًا إيجابيًا للعملية التشريعية في البلاد وخطوة هامة من أجل حكم أكثر ديمقراطية. ولكن حتى لا يكون هذا البرلمان مثل برلمانات دول أخرى في المنطقة، ويثبت أنه على قدر من الجدية في تمثيل تطلعات الشعب عليه أن يضع حقوق الإنسان على رأس أولوياته.

تبرز أهمية البرلمانات كالحارس والمدافع عن حقوق الإنسان عندما نعلم أنّ الأفراد عادة لا يستطيعون مطالبة الدولة بحقوقهم أمام المحاكم، فتكون البرلمانات بذلك، ما لم يكن هدفها هو إرضاء الأنظمة الحاكمة، الجهة الوحيدة التي تراقب ويمكنها أن تخضع السلطات للالتزام بالتشريعات خصوصًا المتعلق منها بحقوق الإنسان.

وقد رأينا ذلك جليًا في عام 1999 عندما نظمت لجنة حقوق الإنسان في البرلمان البرازيلي حملة للضغط على الحكومة من أجل تنفيذ قرار أصدرته “لجنة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان” ضد البرازيل لإخفاقها في توفير الحماية لرئيس نقابة العمال الريفيين في ولاية “بارا” الذي تعرض للاغتيال عام 1985، والذي كان قد أبلغ السلطات بأنه تلقى تهديدات بالقتل، وبالفعل، تحت تأثير الحملة الكبيرة التي هدفت إلى تعريف السلطات بأهمية تنفيذ القانون، تم تنفيذ قرار لجنة البلدان الأمريكية الذي أوصى البرازيل بإجراء تعديلات على إجراءاتها الجنائية ودفع تعويضات لأسرة الضحية.

تؤكد هذه الحادثة ما هو معلوم بالضرورة وهو أن أعضاء البرلمان إذا ما تم انتخابهم يمتلكون فرصة ذهبية للبدء بتغيير واقع بلادهم فيما يتعلق بحالة حقوق الإنسان، خصوصًا في دولة مثل قطر، التي يمكن أن تشهد تقدمًا في هذا المجال في ظل ما تشهده من الاصلاحات المحدودة التي تقوم بها الدولة.

فعلى سبيل المثال، بالرغم من أن جوهر عمل البرلمان هو الاستماع إلى أصوات الشعب وتحويلها إلى تشريعات وبالتالي حتمية محاربة كل أشكال تقييد حرية التعبير عن الرأي، فشل مجلس الشورى الحالي والمجالس السابقة في تحقيق هذا المبدأ، فلدى قطر أكثر من قانون يقيد حرية التعبير بشكل تعسفي، مثل قانون المطبوعات والنشر الصادر عام 1979، وقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية الصادر عام 2014، إضافة إلى القيود التي تفرضها الدولة على تكوين الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني.

وأصدرت قطر بداية العام الجاري قانونًا يعدل قانون العقوبات بإضافة بند جديد للمادة 136 مكررة يحتوي على صياغة فضفاضة ويسمح للسلطات بمعاقبة كل من يعارضها بحجة “نشر إشاعات أو بيانات وأخبار كاذبة أو مغرضة أو دعاية مثيرة” بالحبس لمدة تصل إلى خمس سنوات وغرامة قدرها 100 ألف ريال قطري (ما يزيد عن 25,000 دولار أمريكي).

وحيث أن هذا القانون أُعتبر تراجعًا عن الالتزامات التي تعهدت بها قطر لدى انضمامها قبل عامين للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وهي الاتفاقية التي حظيت بإشادة دولية بعد الانضمام إليها، والتي تنص على احترام حرية التعبير عن الرأي وتجرم تقييدها خصوصًا في المادة 19 منها، يتحتم على مجلس الشورى القادم أن يقف عند مسؤولياته في مراجعة أو إلغاء أي مادة قد ترحم المواطنين من حرياتهم.

وعلى صعيد آخر، يجب أن يضمن البرلمان وصول أصوات فئات الشعب كافة، وهو ما يستلزم أن يمتلك نسبة أعلى من تمثيل المرأة مما يمتلكه مجلس الشورى الحالي البالغ أعضائه 45 وليس فيه سوى أربع نساء، وهو ما يمثل 11% فقط من مجموع أعضاء البرلمان في حين يبلغ متوسط نسبة الأعضاء الإناث في البرلمانات في دول العالم أكثر من 25%.

نسبة التمثيل القليلة تفسر بعض جوانب عدم المساواة بين الجنسين في البلاد، فلا يمكن للمرأة إتمام أي معاملة حكومية بدون تصريح عدم ممانعة من ولي أمرها الذكر، ويستطيع الذكور بعد سن 18 السفر بدون إذن ولي الأمر، بينما لا تستطيع الفتيات السفر دون إذن ولي الأمر إلا بعد سن 25 فيما لا يمكن للمتزوجة السفر مطلقًا إلا بإذن من زوجها.

ولا يحق للمرأة القطرية تمرير الجنسية لأطفالها، على عكس الرجال، كذلك لا تستطيع الزواج إلا بإذن من ولي الأمر، وفيما يستطيع الرجل الحصول على الطلاق بكل سهولة، لا يمكن للمرأة الحصول على الطلاق إلا بعد التقدم بطلب للمحكمة ولا تحصل عليه إلا لأسباب محدودة.

ونجد أيضا أثر غياب نسبة تمثيل كافية للمرأة على قانون العقوبات، الذي لا يجّرم العنف المنزلي أو الاغتصاب الزوجي، عدا عن مادة واحدة فقط من قانون الأسرة تمنع الأزواج من إيذاء زوجاتهم جسديا أو معنويا.

وهنا نسأل، هل كانت ليبقى هذا التمييز في التشريعات الخاصة بحماية المرأة لو كان هناك تمثيل كافي لها في البرلمان القطري؟ والمطلوب هو تخصيص “كوتا” أكبر للنساء في المجلس القادم من أجل منحهم من القوة والحضور ما يكفي لفرض أي تغيير يذكر يتعلق بحماية المرأة في البلاد.

وإذا اتجهنا بالنظر على جانب آخر من حقوق الإنسان وهو وضع العمال الأجانب، نجد أنه بالرغم من العديد من الإصلاحات التي قامت بها الدولة منذ 2017 في ملف حقوق العمال الأجانب، بعد إعلان استضافتها لكأس العالم 2022، إلا أنه لا يزال هناك العديد من الثغرات التي تؤدي إلى انتهاك حقوق الكثير من العمال بسبب عدم وجود آليات تفتيش ورقابة صارمة وهو ما يقع على عاتق البرلمان في متابعة التنفيذ والضغط على الحكومة من أجل مزيد من الالتزام بالقوانين.

القوانين التي مررتها قطر شملت قوانينًا تنظم ساعات عمل العمالة المنزلية، وتنشأ لجان فض المنازعات العمالية، وصندوقاً للمساعدة في سداد الأجور غير المدفوعة، ويضع حداً أدنى للأجر، كذلك إلغاء القوانين التي تقتضي من العمال الأجانب الحصول على إذن من أرباب عملهم لتغيير وظائفهم أو مغادرة البلاد.

على الرغم من ذلك، ما يزال نظام الكفالة يفتح المجال أمام أرباب الأعمال لانتهاك حقوق العمال الأجانب في ظل غياب آليات فعالة لضمان دفع أجور العمال أو عدم تأخيرها، فيما تواجه العمالة المنزلية شتى أنواع الانتهاكات من قبل أرباب العمل على رأسها الاستغلال وإجبارهم على العمل لساعات أكثر من الحد المسموح قانونًا، أو رفض منحهم الإجازة الأسبوعية أو السنوية المكفولة قانونًا، والاعتداءات الجسدية أو الجنسية، بالإضافة إلى المماطلة في دفع الأجور أو عدم دفعها لأشهر طويلة وصلت في بعض الحالات إلى سبعة أشهر.

رأب هذا الصدع في ملف حقوق العمال الأجانب يقع على عاتق مجلس الشورى في سن المزيد من القوانين الخاصة بحالهم وتفعيل آليات رقابة وتفتيش صارمة من خلال إرسال لجان بحث وتقصي الحقائق إلى أماكن العمل، واستدعاء المسؤولين عن ملف العمالة الوافدة للاستجواب في البرلمان. ماذا يمنع من إنشاء لجنة برلمانية خاصة بوضع العمال الأجانب خصوصًا أنهم يشكلون حوالي 88% من السكان؟

والأهم من هذا، وهو أحد أهم واجبات أعضاء البرلمان، رفع وعي المواطنين فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان، خصوصًا بالنسبة لملف للعمال الوافدين وحقوق المرأة، وهو أمر يسهل تحقيقه نظرًا لما يحظى به أعضاء البرلمان عادة من مكانة اجتماعية وظهور إعلامي.

بالمجمل يمكن القول بأنه من الصعب تحقيق أي طفرات فيما يتعلق بتحسين حالة حقوق الإنسان طالما لم يكن هناك أطر تشريعية لمؤسسات وطنية هدفها العمل على حفظ حقوق الإنسان من خلال مثلا إنشاء لجنة في داخل البرلمان خاصة بحقوق الإنسان يمكن أن تضم لجانًا فرعية تختص بمتابعة أهم القضايا الحقوقية وتعمل على تقييم حالة حقوق الإنسان في البلاد ووضع خطة لتقويم الأخطاء وممارسة مهامها في الرقابة والضغط على الحكومة فيما يتعلق بالالتزام بمبادئ حقوق الإنسان.

إن ما يجب أن يعلمه أعضاء أي برلمان هو أنه لا يمكن لهم أن يكونوا صوتًا حقيقيًا للشعب دون وضع حقوق الإنسان على رأس أولوياتهم. فصوت الشعب هو صوت حقوق الإنسان، ومبادئ حقوق الإنسان هي المعيار الذي يحدد هل نجح البرلمان في تمثيل الشعوب وتحقيق طموحاتها من العيش بحرية وكرامة أم سيكون ممثلًا لصوت الأنظمة التي غالبًا ما تكون مبادئ حقوق الإنسان آخر اعتباراتها.

اقرأ أيضاً

الرئيسية