بقلم: د. عصام عابدين
- بتاريخ 1/1/2015 أودعت حكومة دولة فلسطين إعلاناً بموجب المادة (12) فقرة (3) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تقبل بموجبه اختصاص المحكمة على الجرائم المدُعى بارتكابها على الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية منذ 13/6/2014 (تقرير أنشطة مكتب الادعاء العام للمحكمة 2018).
- بتاريخ 2/1/2015 انضمت حكومة دولة فلسطين إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بإيداع صك الإنضمام لدى الأمين العام للأمم المتحدة، ودخل النظام الأساسي المحكمة حيز النفاذ اتجاه دولة فلسطين في 1/4/2015.
- بتاريخ 16/1/2015 فتحت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية دراسة أولية للحالة في فلسطين بناء على الإعلان المودع (الإعلان يودع لدى مسجل المحكمة) وتلقى مكتب الإدعاء في ذلك الوقت 125 مراسلة بشأن فلسطين (نظام المحكمة مادة 15).
- بتاريخ 22/5/2018 تلقى مكتب الإدعاء العام “إحالة” من حكومة دولة فلسطين بشأن الحالة (الوضع) في فلسطين منذ 13/6/2014 فصاعداً (الاختصاص الزمني للمحكمة) وطلبت دولة فلسطين من المدعية العامة أن تُحقق، وفقاً للاختصاص الزمني للمحكمة، في الجرائم الماضية والجارية والمقبلة الواقعة ضمن اختصاصها التي ارتكبت في جميع أنحاء إقليم دولة فلسطين. والإحالة هنا تستند إلى المواد (13) فقرة (أ) و(14) من النظام الأساسي للمحكمة.
- بتاريخ 24/5/2018 أسندت رئاسة المحكمة الجنائية الدولية الحالة (الوضع) في فلسطين إلى الدائرة التمهيدية الأولى.
- بتاريخ 13/7/2018 أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى قراراً بأن يُنشىء قلم المحكمة نظاماً للأنشطة الإعلامية والتوعية لصالح الجماعات المتضررة ولا سيما المجني عليهم في الحالة (المقصود الوضع) في فلسطين.
- المصطلحات المستخدمة أعلاه (الدولة والاختصاص الإقليمي للمحكمة على الأرض الفلسطينية) مصدرها تقرير أنشطة مكتب الإدعاء العام في المحكمة الجنائية بشأن أنشطة الدراسة الأولية للحالة في فلسطين (تقرير الأنشطة 2018).
- بتاريخ 6/2/2015 أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً رئاسياً بتشكيل اللجنة الوطنية العليا للمتابعة مع المحكمة الجنائية الدولية وقد انبثق عن هذه اللجنة أربع لجان فرعية (اللجنة الفنية، اللجنة الإعلامية، لجنة اللائحة الداخلية (وضع لائحة داخلية تنظم عمل اللجنة الوطنية العليا)، لجنة الاتصال مع المجتمع المدني إقليمياً ودولياً).
- تركيبة اللجنة الوطنية العليا للمتابعة مع المحكمة الجنائية الدولية أشبة بالمهرجان الاستعراضي الضخم من الجهات الرسمية وغير الرسمية والفصائل والمؤسسات (النهج الفلسطيني) وهي تفتقر إلى “المأسسة” ولا يبدو أنها تملك “خطة” للتعامل مع ملف المحكمة الجنائية في مختلف مراحله (الدارسة الأولية، التحقيق، المقاضاة) وصولاً لتحقيق العدالة الدولية للفلسطينيين. ولم تقدم اللجنة الوطنية واللجان الفرعية أية تقارير عن أعمالها بعد مضي “ست سنوات” على تشكيلها.
- الآرجح أن الحال (النهج الفلسطيني) سيستمر على هذا النحو بغياب الخطة وأسس ومعايير الاختيار وغياب التقييم المستمر للأداء خلال في المرحلة القادمة في ملف المحكمة (التحقيق والمحاكمة) بمعزل حالياً عن البحث بحقل الألغام في مسار عمل المحكمة سواءً المتعلق بنصوص نظامها أو البيئة المحيطة أو شمول الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني باختصاصها.
- مرحلة الدراسة الأولية التي أجراها مكتب الإدعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية (تسبق مرحلة التحقيق الرسمي ويمكن تشبيهها بمرحلة البحث الأولي التي تسبق إجراءات التحقيق في الإجراءات الجزائية المحلية) تقع في أربع مراحل:
(أ) مرحلة جمع وتصنيف وتقييم المعلومات التي تصل مكتب الإدعاء العام ومدى موثوقيتها سواء من جهات رسمية أو جهات غير رسمية أو أفراد (العبرة بمهنية وجدّية وموثوقية المعلومات المحالة إلى مكتب الادعاء العام للمحكمة).
(ب) مرحلة دراسة الاختصاص (الزمني والموضوعي والإقليمي أو الشخصي) والأساس أن الاختصاص الزمني للمحكمة يكون من تاريخ نفاذ النظام الأساسي للمحكمة اتجاه الدولة الطرف (فلسطين) ولكن نظام المحكمة يسمح بإيداع إعلان لدى مسجل المحكمة بالقبول بالأثر الرجعي للاختصاص الزمني في مدى أقصاة 1/7/2002 أي تاريخ نفاذ النظام الأساسي. وبحسب الإعلان الفلسطيني المودع فإن الاختصاص الزمني للمحكمة يبدأ اعتباراً من تاريخ 13/6/2014 فصاعداً. والمغزى من اختيار هذا التاريخ أن يشمل اختصاص المحكمة الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014 وتقرير لجنة التحقيق الدولية بشأنه. والاختصاص الموضوعي يعني الجرائم التي تختص بها المحكمة الجنائية حصراً (جرائم الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، جرائم العدوان) ولأسباب ترجع إلى صعوبة الإثبات وإشكاليات في النظام الأساسي للمحكمة في جرائم الإبادة الجماعية والعدوان فإن التركيز في الحالة الفلسطنيية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. المحكمة تمارس اختصاصها وفقاً لنظامها الأساسي وقواعد الإثبات والقواعد الإجرائية وأركان الجرائم وقواعد المسؤولية الجنائية للأفراد وبخاصة مَن يتحكمون في منظومة القيادة والسيطرة وإصدار الأوامر مدنيين أم عسكريين للوقوف على المسؤولية الجنائية اتجاه “الإسرائيليين والفلسطينيين” بشأن أية جرائم محتملة التي تدخل في نطاق اختصاص المحكمة الجنائية. والإختصاص الإقليمي أو الشخصي يتعلق بالجرائم التي وقعت على إقليم دولة طرف في النظام الأساسي للمحكمة أو الدولة التي يكون الشخص بالمتهم بارتكاب الجريمة التي تدخل في اختصاص المحكمة أحد رعاياها (الحالة الفلسطينية).
(ج) مرحلة دراسة المقبولية، أي مقبولية الحالة في فلسطين أمام الإدعاء العام وقضاء المحكمة، والأساس أن القضاء المحلي هو المختص بنظر الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، ولكن، إنْ كان القضاء المحلي غير راغب أو غير قادر فإن الاختصاص يعود مجدداً للادعاء العام وقضاة المحكمة الجنائية وهو ما يُسمى مبدأ التكاملية (اختصاص المحكمة الجنائية الدولية مكمّل لاختصاص القضاء الوطني أو المحلي).
وهنا، يبدأ مكتب الادعاء العام بتسليط الضوء على القضاء الفلسطيني والقضاء الإسرائيلي ومدى استقلاليته وأدائه لمعرفة إنْ كان قادراً أو راغباً بالقيام بدوره بفعالية (القضاء الفلسطيني سيكون خاصرة رخوة للفلسطينيين، وعدالة قضيتهم، وما يجري من انهيار في القضاء الفلسطيني هو حتماً تحت أنظار مكتب الادعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية).
(د) مرحلة دراسة اعتبارات العدالة، هو مفهوم غامض في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية، ومن الصعب ضبطه بأدوات معيارية للقياس، ولكن وفقاً لتقارير أنشطة المحكمة وبخاصة في الحالة الفلسطينية وتقارير وبيانات مكتب الادعاء العام ونتيجة الدراسة الأولية فإن هناك أساس معقول، ودرجة من الخطورة كافية، لوجود اعتبارات العدالة والمضي قدماً باتجاه التحقيق الرسمي ثم إمكانية إصدار مذكرات توقيف (هنا يمكن القول إن إنجازاً قد تحقق) واعتماد التهم والمحاكمة.
- بتاريخ 20/12/2019 أعلنت المدعية العامة للمحكمة الجنائية، فاتو بنسودا، أنها اختتمت الدراسة الأولية للحالة في فلسطين التي بدأت منذ 16/1/2015 وأنها مقتنعة إثر إجراء تقييم شامل وموضوعي بأن هناك أساساً معقولاً للشروع في إجراءات التحقيق الرسمي؛ أي بوجود أساس لجرائم محتملة تدخل في اختصاص المحكمة ارتكبت على الإقليم الفلسطيني سواءً من قبل قادة ومسؤولين عسكريين أو مدنيين إسرائيليين، أو فلسطينيين، وبخاصة مَن يتحكمون في منظومة القيادة والسيطرة وإصدار الأوامر، وذلك وفق المادة (53) فقرة (أ) من النظام الأساسي للمحكمة (باب التحقيق والمقاضاة).
- بتاريخ 20/12/2019 (في ذات اليوم) أرسل الجانب الإسرائيلي “مذكرتين خطيتين” للمحكمة الجنائية الدولية بشأن دراسة الحالة في فلسطين الأولى من مكتب النائب العام في إسرائيل – السلطة القائمة بالاحتلال- مكونة من (63) بنداً والثانية من مكتب المستشار القانوني في وزارة الخارجية الإسرائيلية مكونة من (43) بنداً (في ذات اليوم)! وهذا يدلل على حجم الاختراق في دوائر وأقسام المحكمة بما يشمل كامل “أرشيف المحكمة” علاوة على الضغط الخارجي بوسائل عديدة.
- لا يشترط النظام الأساسي للمحكمة، حال وجود إحالة من الدولة الطرف، مستندة للمواد (13) و (14) من نظام المحكمة (جرت عام 2018 في الحالة الفلسطينية) أن تأخذ المدعية العامة الإذن من الدائرة التمهيدية للمحكمة للانتقال من الدراسة الأولية، إلى مرحلة التحقيق، وتستطيع والحالة تلك وفي ضوء البيان والتقرير الصادر عن مكتب الإدعاء العام (112 صفحة) أن تنتقل مباشرة إلى مرحلة التحقيق، ولكنها لم تفعل لغاية الآن، وهربت باتجاه الدائرة التمهيدية للمحكمة (قذفت الكرة باتجاهها) وطلبت منها إصدار قرار قضائي بشأن مسألة تتعلق ب “الإقليم الفلسطيني” الذي يمكن أن تُجرى فيه التحقيقات، وبتعبير أبسط: هل فلسطين دولة وأين هو إقليم دولة فلسطين لممارسة قواعد الاختصاص المكاني!
- لا يمكن تخيل هذا الطلب المقدم من المدعية العامة للدائرة التمهيدية للمحكمة بشأن “الإقليم الفلسطيني” الذي يمكن أن تمارس عليه المدعية العامة اختصاصها في مرحلة انهاء الدراسة الأولية التي استغرقت خمس سنوات! لأن هذه المسألة المتعلقة بالقانون يتم فحصها في “مرحلة مبكرة من الدراسة الأولية” وليس بعد اختتامها! إنها مجرد مناورة سياسية قامت بها المدعية العامة للمماطلة والتسويف، ولا علاقة لها البتة بالمهنية والقانون، وهي بالمناسبة ذات المناورة السياسية التي قام بها المدعي العام السابق للمحكمة “لويس مورينو أوكامبو” فيما يخص الإعلان الذي قدمه الجانب الفلسطيني للقبول باختصاص المحكمة عام 2009! (العودة للوراء من خلال نبش اتفاقية أوسلو على حساب القانون الدولي)! ولأن أدبيات المحكمة (التقارير والبيانات والمصطلحات) تُظهر بوضوح أن مسأـلة الإقليم والاختصاص الإقليمي (الإقليم الفلسطيني) واضحة ومحسومة تماماً! هذا علاوة على عشرات القرارات الصادرة بالخصوص عن مجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان والانضمام للاتفاقيات والمنظمات الدولية وفتوى محكمة العدل الدولية 2004
- بعد قيام المدعية العامة نهاية 2019 بإرسال هذا الطلب الوقح، وغير المهني، والذي تفوح منه رائحة سياسية مقيتة وهدفه المماطلة والتسويف ليس إلا، للدائرة التمهيدية للمحكمة؛ لإصدار قرار قضائي في “غضون ثلاثة أشهر”بشأن نطاق الولاية الإقليمية للمحكمة على الأرض الفلسطينية، أصدرت الدائرة التمهيدية قراراً بتاريخ 28/1/2020 تطلب بموجبه من فلسطين وإسرائيل والضحايا والجهات المعنية (يُطلق عليهم تسمية أصدقاء المحكمة) تزويدها بملاحظات خطية حول ما إذا كانت الضفة والقطاع بما فيها القدس الشرقية إقليم محتل يدخل ضمن نطاق للاختصاص الإقليمي للمحكمة! أي أن الدائرة التمهيدية أصدرت هذا القرار – بعد ما يزيد على سنة من طلب المدعية العامة- بانعقاد الاختصاص الإقليمي للمحكمة على الإقليم الفلسطيني علماً أنه لا وجود للمدة التي حددتها المدعية العامة (ثلاثة أشهر) في نظام المحكمة.
- ما يثير الاهتمام؛ أن قرار الدائرة التمهيدية للمحكمة الذي جاء بناءً على طلب المدعية العامة، وهو مجرد حفلة مماطلة وتسويف من مكتب الادعاء العام والدائرة التمهيدية في مسألة محسومة (الإقليم الفلسطيني) في أدبيات المحكمة الجنائية ذاتها، والقانون الدولي بداهة، وإلى حد الممل. والصادم؛ أن يجري تسويق الأمر على أنه “إنجاز تاريخي للفلسطينيين”! حققنا إنجازاً تاريخياً: الضفة وغزة بما يشمل القدس الشرقية إقليم فلسطيني محتل ينعقد له اختصاص المحكمة! علماً أن ملاحظات الجانب الفلسطيني من الداخل والخارج لم تكن منسقة وكل جهة انفردت بإرسال ملاحظات (النهج الفلسطيني)!
- ما يجري في ملف المحكمة الجنائية الدولية يثير العديد من الأسئلة ومن بينها: هل هناك خطة فلسطينية أساساً للتعامل مع ملف المحكمة بمختلف المراحل (الدراسة الأولية، التحقيق، المقاضاة) والإجراءات؟ وهل هناك قرار فلسطيني بتغليب العدالة الدولية للفلسطينيين على أية تسويات أو اعتبارات سياسية أو تفاوضية في مسار عمل المحكمة؟ وماذا لو فتحت المدعية العامة تحقيقاً للحالة في فلسطين وجرى إرسال الإشعارات للجانبين الإسرائيلي والفلسطيني هل القضاء الفلسطيني مستقل ومؤهل للتعامل مع هذه المرحلة في ضوء الانهيار الحاصل في القضاء الفلسطيني عملاً بمبدأ التكاملية فيما يخص تحقيقات محتملة قد تطال الجانب الفلسطيني في جرائم محتملة تدخل في اختصاص المحكمة؟ وهل هناك جهود ومطالعات قانونية فلسطينية جاهزة فيما يخص ما أشارت إليه التقارير الصادرة عن مكتب الإدعاء العام للمحكمة فيما يخص الفلسطينيين ومن بين أمور أخرى فيما يتعلق بإطلاق الصواريخ من قطاع غزة (إطلاق الصواريخ في النزاعات المسلحة لا يدخل بحد ذاته في اختصاص المحكمة وإنما الاستهداف العشوائي للمدنيين مع الأخذ بالاعتبار أن سلطات الاحتلال لم تسمح للجان تحقيق دولية بفحص مكان سقوط الصواريخ التي تزعم أنها عشوائية واستهدفت المدنيين) وكذلك جرائم التعذيب في الضفة الغربية التي وردت أيضاً في تقارير مكتب الادعاء العام علماً أن الجرائم التي ينعقد لها اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لا تسقط بالتقادم؟ أم أن الجانب الفلسطيني يعتقد في ضوء الإنجازات التاريخية التي يطلقها بين الحين والآخر بغياب “الخطة والتقييم” أن تحقيقات الإدعاء العام والمقاضاة تطال الإسرائيلين فقط دون غيرهم؟!
