سارة الشيخ علي، مديرة منظمة هيومينا لحقوق الإنسان
أعاد حريق مخيم موريا للاجئين في اليونان-والذي فضح مماطلة الإتحاد الأوروبي بالإستجابة للأوضاع الإنسانية الكارثية للعالقين في المخيم- مسألة التباينات في سياسات الهجرة واللجوء والخلافات الأوروبية-أوروبية إلى الواجهة، والتي كانت قد بدأت عام ٢٠١٥ إثر ارتفاع موجات الهجرة وتملّص بعض دول الإتحاد من تحمّل مسؤولياتها.
ومع صعود اليمين المناهض للاجئين في أوروبا وسيطرته على حكومات عديدة، وارتفاع معدل تمثيله في البرلمان الأوروبي، أتى الميثاق الجديد للهجرة واللجوء، الذي أعلنت عنه المفوضية الأوروبية في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، ليضع الكثير من اللاجئين والمهاجرين في حالة من الترقب والخوف، بانتظار نتيجة مناقشته في البرلمان الأوروبي ومعرفة ما إذا كان سيصبح قانوناً نافذاً أم لا. وكانت الآمال معلّقة، حتى أقل من ثلاثة أسابيع مضت، على حكومات أوروبية نجحت بإدارة ملف اللاجئين، وجهود منظمات حقوق الإنسان، والمنظمات الأهلية الأوروبية، للدفع باتجاه عدم تبني البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء لهذا الميثاق، فلا يصبح بذلك نافذاً ولا يسقط معه حق الحماية للاجئين. لكن 16 تشرين أول/أوكتوبر 2020، ليس كما قبله.
“تضامن أوروبي” أم انتكاسة لحقوق الإنسان في أوروبا
تنبئ الإعتداءات التي شهدتها فرنسا خلال الأسبوعين الأخيرين، بتحولات قد تطرأ على القوانين والسياسات العامة للحكومات الأوروربية وللإتحاد الأوروبي، وقد تكون إحداها، موافقة البرلمان الأوروبي على الميثاق الهجرد الجديد المقترح من المفوضية، والذي سيشكل إنتكاسة لسجل الإتحاد الأوروربي في حماية حقوق الإنسان، وإعمالها.
وكانت رئيسة المفوضية الأوربية أوروسولا فون دير لاين، قد اعتبرت في تصريحات، أن هذا الميثاق الجديد يمثل إصلاحاً شاملًا لقضية اللجوء ويعيد الثقة بين الدول الأعضاء بالاتحاد، كما يعيد التوازن بين التضامن والمسؤولية.غير أن الواقع يقول أن الإتحاد الأوروبي، بحال اعتماده هذا الميثاق، سيكون قد اختار التضحية بحق الحماية للاجئين. وينص الميثاق الجديد على وجوب مشاركة الدول الأعضاء التي لا تريد استقبال مهاجرين، في عملية إعادة طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم، من دول أوروبية أخرى إلى بلدانهم الأصلية، وهو ما يشكّل انتهاكاً صرحاً لحق الحماية،وحق عدم الإبعاد في حال تبيّن من خلال الأدلّة المتعلّقة بالشخص طالب الحماية أومن خلال نمط عام مكرّر من العنف والإعتداءات في بلده الأم، أن وجود طالب الحماية في بلده الأصلي يهدد حياته وحريّته. إضافةً لذلك، يقترح الميثاق إجراء عمليات فحوص إجبارية جديدة للاجئين قبل الدخول، تتضمن فحص صحي والتدقيق بالهوية والتفتيش الأمني. ويفرض ضوابط صارمة على الحدود، كاستبعاد الذين من غير المرجح أن يحصلوا على الحماية بشكل سريع، ومن بين هؤلاء، مواطني دول تسجّل معدل استجابة لطلبات اللجوء أقلّ من 20% مثل تونس والمغرب. بالنسبة لهؤلاء المهاجرين، سيجري النظر بطلباتهم على الحدود في مدة أقصاها 12 أسبوع، دون أي يحدّد المعايير القانونية التي ستُعتمد للبت في قبول أو رفض طلبات اللجوء، ولا من هي الجهة المسؤولة عن اتخاذ القرار.
بناءً على ما سبق، يمكننا القول أن هذا الميثاق، بحال تم إقراره، سيسجّل خرقاً واضحاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، على رأسه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نص في مادته المادة 14 على أن “لكل فرد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتع به خلاصا من الاضطهاد.” وكذلك شدد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على مبدأ المساواة في التعامل مع غير المواطنين في عدة مواد منه، كالمادة 25 والفقرة 1 من المادة 2. واعترف هذا العهد برزمة واسعة من الحقوق الخاصة بغير المواطنين من بينها الحق في التحرر من الاستبداد والاضطهاد. ومن بين الحقوق الخاصة بغير المواطنين، والتي تغاضت عنها المفوضية الأوروبية في ميثاقها المقترح، حق الفرد في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه والحق بالحماية من الاحتجاز التعسفي، والتحرّر من التعذيب ومن أشكال المعاملـة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والحق بالحماية من الإعادة القسرية. وفي هذاالسياق، نصت المادة ٣ من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ، أنه لا يجوز لأية دولة طرف أن تطرد أي شخص أو أن تعيده قسراً́ أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب. وأنه يتوجب على السلطات المختصة لتحديد ما إذا كانت هذه الأسباب متوافرة، أن تراعي جميع الاعتبارات ذات الصلة، بما في ذلك، في حالة الانطباق، وجـود نمـط ثابت من الانتهاكات الفادحة أو الصارخة أو الجماعية لحقوق الإنـسان في الدولة المعنية.
عدّة صكوك دولية أخرى، صادقت أو تلتزم بها دول الإتحاد الأوروبي، وتشدّد على حق الإنسان باللجوء والحصول على الحماية والمعاملة اللائقة، لكنها تخالفها اليوم، عبر محاصرة طالبي اللجوء في مخيمات حدودية وظروف سيئة دون البت سريعاً في أوضاعهم، وعبر إعادتهم أو ترحيلهم، واليوم عبر اقتراحها لميثاق هجرة ولجوء جديد لا يراعي التزاماتها. ومن بين هذه الصكوك نذكر، الإعلان المتعلق بحقوق الإنسان للأفراد الذين ليسوا من مواطني البلد الذي يعيشون فيه1985، و الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري 1969، و اتفاقية عام 1951 المتعلقـة بمركـز اللاجئين، وبروتوكول عام 1967 الملحق بها، والنظام الأساسـي لمفوضـية شـؤون اللاجئين، والإعلان المتعلق باللجوء الإقليمي ودليل الإجراءات والمعـايير الواجـب تطبيقها لتحديد وضع اللاجئ. كذلك على المستىوى الإقليمي، تُعتبر حقوق الإنسان لملتمسي اللجوء محمية بموجب صـكوك حقـوق الإنـسان الأوروبية التي تنطبق على جميع المقيمين ضمن حدود الولاية القضائية لكل دولة من الدول الأطراف، بصرف النظر عن وضعهم القانوني في بلد اللجوء (كمعاهدة أمستردام التي تعدل معاهدة الاتحاد الأوروبي والمعاهدات التي أسست المجتمع الأوروبي 1999، و ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي 2000). مما يعني، أن هذا الميثاق الجديد، سيرتّب على الإتحاد الأوروبي، مراجعة نظمه وآلياته الإقليمية المتعلّقة بحقوق الإنسان، وليس فقط حقوق اللاجئين وملتمسي اللجوء.
وسيلغي مقترح المفوضية، نظام دبلن بحيث لن تعود الدول التي يدخل إليها اللاجئ أولاً، ملزمةً باستقباله. كذلك سيؤمن الميثاق الجديد الحماية الأفضل للحدود الخارجية من جهة دول البلقان، التي يصعب تحقيقها في البحر عندما يكون إغراق قوارب اللاجئين محظوراً بسبب القانون الدولي. وسيوسّع القانون معايير قبول طلبات اللجوء، فمن له أفرادعائلة في بلد أوروبي آخر وجب نقله إلى هناك. مما يعني أن البلدان التي استقبلت خلال السنوات الماضية الأعداد الأكبرمن اللاجئين، سيكون عليها تلقائياً استقبال أفواجاً إضافية. لكنه من غير الواضح حتى اللحظة كيف ستستقبل الدول الإسكندنافية وألمانيا وفرنسا هذه الفكرة.
الشعبوية تنتصر
أعلن ميثاق الهجرة واللجوء الجديد، وبشكل صريح، إخفاق نظام الحصص في إعادة توزيع اللاجئين الذي اتفق عليه الإتحاد الأوروبي عام 2015 ، فلن يكون ملزماً بعد الآن توزيع المهاجرين على كل الدول الأوروبية. وكبديل عن ذلك، ينص الميثاق على أنه يجب على كل دولة المساهمة بالإستجابة لأزمة اللاجئين بحسب حجم اقتصادها. وستكون كل دولة أمام خيارين، إمّا استقبال طالبي اللجوء، أو رعاية إعادتهم إلى الدول الأصلية ودول العبور. وبذلك، يكون فيكتور أوربان، صانع الأوتوقراطية الأولى في تاريخ الإتحاد الأوروبي-بحسب مؤشر الديمقراطية لعام 2020 VDem-قد حقق انتصاراً على قوة سياسية واقتصادية تضم 400 مليون نسمة، مستدخماً الشعبوية، والتهديد بفتح الطريق لروسيا لتدخل إلى قلب الأوروبي، والتلويح بنزاع مع أوكرانيا لاستعادة إقليم زاكارباتيا. وتربط أوربان، علاقة وطيدة مع فوفيتش رئيس وزراء صربيا، والتي-بسبب الإرتباط الثقافي والإجتماعي الوثيق لنخبها مع روسيا، والإستثمارات الصينية الضخمة بالبنية التحتية لصربيا-أصبحت مؤخراً مصدر قلق للإتحاد الأوروبي الذي يخشى أن تراود فوفيتش أحلام ميلوسوفيتش التوسعية التي أزهقت آلاف الأرواح البريئة، وتسببت بإحراج كبير للمجتمع الدولي، وعلى رأسه حلف الناتو الذي تدخل عسكرياُ بعد مجزرة سربرينيتشا الوحشية. فأي تصعيد مع هاذين الديكتاتوريين، سيكلّف الإتحاد الأوروبي توغل روسي، أومغامرات توسعية لصربيا تحيي النزاعات العرقية، أو فتح دول البلقات حدودها أمام مئات آلاف اللاجئين، لا للبقاء فيها، إنما للعبور نحو أوروبا الغربية والشمالية.
إضافةً لما سبق، ينص الميثاق المقترح أنه في حال فشلت دولة في الاتحاد الأوروبي في إعادة المهاجرين إلى بلدانهم في غضون ثمانية أشهر، سيترتب عليها استقبالهم. إلا أن هذه البدائل المطروحة غيرقابلة للتحقيق بالنسبة للدول الصغيرة التي لا تملك الوسائل. وهذا يعني بمفردات أخرى، أن دول كدول البلقان التي رفعت الأسوار والأسيجة على حدودها في وجه اللاجئين، ستكون هي المسؤولة عن إعادتهم. بالتالي، كم مخيّم موريا جديد علينا أن نتوقع؟
وفي ظل الحديث عن اتفاقيات للإتحاد الأوروبي مع بلدان ثالثة لإقناعها باستقبال اللاجئين، لا بد من أن نسأل عن الثمن والمكاسب التي ستحققها هذه الدول بحال استقبلت اللاجئين. فمثلاً قد يكون استقبال طالبي الحماية العائدين من الإتحاد الأوروبي، هو سبيل دولة مرشحة كصربيا للدخول إلى الإتحاد الأوروبي. أو قد تضع هذه الصفقة، دولة جديدة على لائحة المرشحين وتسمح لها بالمتاجرة بحياة اللاجئين واستخدامهم كورقة مساومات وضغط في أزماتها الديبلوماسية مع محيطها الأوروبي. وليس من المستبعد أن يكون الثمن، هو وعود أوروبية بدعم وإنقاذ إقتصادات دول الجوار التي تنهار تدريجياً. أمّا دولاً أوروربية تسجلّ تراجع كبيراً على مستوى الحريات وحقوق الإنسان، كبولندا والمجر وصربيا ورومانيا، قد تكون الجائزة لاستقبالها اللاجئين، هو تغاضي الإتحاد الأوروبي. غير أن كلّ تلك السيناريوهات، رغم كارثيتها، لا زالت أفضل من حلول سياسية في منطقة الشرق الأوسط، تعيد تدوير الديكتاتوريات وتستأنف العلاقات الديبلوماسية معهم، كخطوة أولى على طريق “إعادة اللاجئين”، والتي كانت بعض الدول الأوروبية قد بدأت تنفيذها من خلال تقديم دعم لوجستي ومادي للعائلات التي تقرّر العودة إلى بلادها الأصلية، دون التأكّد من مصير هذه العائلات المرتقب بعد وصولها.
ما 16بعد أكتوبر..إمتحان لقيم العدالة والإنسانية الأوروبية
منذ أن أعلنت المفوضية الأوروبية عن الميثاق الجديد، دأبت منظمات حقوق إنسان عديدة كمنظمة العفو الدولية وأوكسفام، على انتقاده وفضح عيوبه وخطورته على اللاجئين. لكن ما قبل 16 أكتوبر ليس كما بعده. فعلى أثر حادثة قتل المدرس إيمانويل باتي في فرنسا على يد مهاجر شيشاني، وبعد الهجمة الإرهابية يوم 29 أكتوبر والتي ذهب ضحيتها ثلاثة أشخاص فرنسيين، إثر هجوم نفذه مهاجر تونسي في كنيسة في مدينة نيس، أصبحت فرص موافقة البرلمان الأوروبي على الميثاق الجديد، أكبر.
فالحكومات الأوروبية، وعلى رأسها تلك المساندة للاجئين، صارعليها أن تثبت لمواطنيها أنها قادرة على حمايتهم. وكما في كل مرة تقع جريمة عنصرية كهذه، يحرص اليمين المتطرف على استخدام ورقة الهويات ليؤجج ردة الفعل الشعبية ضد الأقليّات الدينية والعرقية. وكالعادة، يدفع المهاجرون واللاجئون الثمن. لك، وعلى مستوى المنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا يمكننا إخلاء الأطراف المؤثرة في صناعة المشهد السياسي، من المسؤولية، خاصةً تلك التي تذهب إلى ردات فعل غير مدروسة، دون الأخذ بعين الإعتبار كيف سيؤثر ذلك على أوضاع اللاجئين العرب في أوروبا.
والحال هو أن لا شيئ يدعو في الوقت الحالي إلى التفاؤل. فمن جهة، نجد اليمين الكاره للاجئين، يحصد مواقع صناعة القرار ويتوسع في أوروبا، ويحرّض معه الشارع الذي أصبح يرى في كل لاجئ، أو مهاجرة، أو مسلم، أو امرأة محجبة، مشروع إرهابي(ة). وعلى الضفة الأخرى في الشرق الأوسط، خطابات شعبوية وعنصرية مضادة، وجموع افتراضية على مواقع التواصل الإجتماعي تحرّض على العنف وتهلّل لقطع الرؤوس، وتيارات سياسية وحكومات عربية لا تتردّد بأن تستثمر في هذه اللحظة الحرجة، لاستهداف السياسات الخارجية للإتحاد الأوروبي، لكنها بالمقابل ليست على أدنى استعداد لاستقبال لاجئ عربي واحد. إنّه التاريخ يكرّر نفسه. فكثيرون اليوم حول “الأزمة السورية”، قليلون حول “اللاجئين السوريين”. هم نفسهم، ومنذ ثلاثة عقود حتى هذه اللحظة، يقولون أنهم يحبون فلسطين، لكنهم يعادون الفلسطيني ويحاصرونه على أطراف مدنهم في مخيماتهم، ويقتلونه في معتقلاتهم، ويقدمون له كل سبب ممكن، لأن يغامر بحياة أطفاله، ويخوض البحر نحو بلاداً جديدة.
رغم سوداوية الموقف، لا يزال من الواجب مواجهة الاقتراح الأوروبي، بدوافع ووسائل واضحة وإيجابية، غير أن أي منها لا يمكن له أن يكون الخطابات التحريضية، ولا الإدانات الشكلية للجرائم التي تتبعها “لكن”، في محاولة تبرير مبطّنة. وفي ظل هيمنة الخطاب العام غير العقلاني وغيرالحساس لمصالح الفئات المهمشة والضعيفة، وغيرالمنفتح على تقبل الآخر، وغيرالمتعاطف مع كل الضحايا بغض النظر عن دينهم أو انتمائهم، تقع المسؤولية الآن على عاتق منظمات حقوق الإنسان العربية والإقليمية، والمدافعين(ات) عن حقوق اللاجئين حول العالم، للأخذ بزمام المبادرة والإنطلاق في حوار مع الإتحاد الأوروبي وقيادة الطريق نحو تحالف لحقوق الإنسان عابر للحدود الوطنية يخدم مصلحة اللاجئين ويحميهم من مصير مأساوي.
