محمود مشتهى
امتلأت الأخبار والصُحف والمجلات بالحديث عن الأزمة الروسية الأوكرانية وتسابق السياسيون والدبلوماسيون ومدافعو حقوق الإنسان حول العالم إلى إدانة العدوان الروسي على أوكرانيا، وفجأة تحول المجتمع الدولي إلى مجتمع متعاطف مع اللاجئين والمهاجرين وضحايا الحروب.
كشفت الأزمة الأوكرانية الروسية سياسة عنصرية متجذرة تجاه غير الأوروبيين، إذ زعمت وسائل الإعلام الغربية أنها تبنت معايير النزاهة والموضوعية والحياد في تغطيتها للحروب، على عكس الواقع الذي أظهر تحيزاً واضحاً في تعاملها مع الحروب. ما تمر به أوكرانيا منذ عدة أسابيع، تمر به فلسطين كل يوم منذ 73 عامًا، ولم تشهد أوكرانيا عُشر ما مرت به فلسطين أو سوريا أو العراق، ولكنها بالمقابل حصلت على تغطية واسعة وتعاطف كبير من وسائل الإعلام الغربية والأمريكية. ربما لأن الأوكرانيين يرتدون ملابس جميلة أو يبدو عليهم مظهر الثراء، على عكس مواطني دول شمال أفريقيا. وفقًا لمذيع قناة “الجزيرة الإنجليزية” بيتر دوبي “الثياب التي يرتديها الأوكرانيون الفارون من الحرب تُظهر أنهم شعب مزدهر من طبقة وسطى ميسورة وليسوا لاجئين يحاولون الفرار من الشرق الأوسط الذي لا يزال في حالة حرب كبيرة أو أشخاصًا يحاولون الفرار من شمال أفريقيا، بل هم مثل أي عائلة أوروبية تسكن بالجوار.”
هل علينا أن نكون أوروبيين ذوي بشرة بيضاء وشعر أشقر وعيون خضراء حتى يتعاطف العالم معنا؟ أم هل ينبغي على اللاجئين الفلسطينيين والسوريين واليمنيين والأفغان والعراقيين أن يحملوا الجنسية الأوكرانية؟ لعلهم يجدوا من يتعاطف معهم أَو يؤويهم. لربما يرجع السبب في هذه المعايير المزدوجة إلى أن ضحايا فلسطين وسوريا واليمن والعراق ليسوا “متحضرين” أو من ذوي البشرة البيضاء.
لن يكون هناك صلة مباشرة في نظرة الغرب اليوم بين ما يحدث في أوكرانيا وما يحدث في سوريا لأن التركيز السياسي سيظل منصباً على أوكرانيا وحدها. منذ أكثر من عشر سنوات، لم نسمع عن أي إدانة أو تحرك دولي ضد بوتن حول جرائم القتل والتدمير والتشريد التي يرتكبها في سوريا.
الأسوأ والأغرب من ذلك هو أن الأوروبيين يعلمون بما يحدث في سوريا من عمليات قتل وتشريد على يد بوتن، لكننا لم نسمع شيئًا في الإعلام الغربي عن الوضع السوري، ربما لأن سوريا تعد من دول العالم الثالث أو لأن السوريين يتكلمون العربية. وكان ذلك واضحًا في خطاب الصحافي فيليب كورب على قناة “BFM“ – إحدى القنوات الأكثر مشاهدة في فرنسا – إذ قال “نحن لا نتحدث هنا عن السوريين الفارين من قصف النظام السوري المدعوم من بوتن، نحن نتحدث عن الأوروبيين الذين يغادرون في مركبات تشبه مركباتنا.”
إذا أردنا سماع الرواية الأوروبية حول تأييد مبادئ حقوق الإنسان في العالم ودعم الدول الأوروبية لحقوق الأوكرانيين وتعاطفهم مع الشعب الأوكراني بالإضافة إلى إدانات الوزراء والدبلوماسيين للأزمة الأوكرانية الروسية، فالأجدر بنا أيضًا أن نستمع إلى رواية ومآسي تاريخ الدول العربية ورواية الشعب العراقي، حيث تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً مع 34 دولة أخرى لإسقاط نظام صدام حسين تحت ذريعة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل ومن ثم تحت ذريعة إنقاذ الكويت.
تدخلت كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في شؤون العراق وأفغانستان بحجة تطبيق حقوق الإنسان ومنح الناس حريتهم، لكن تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في العراق فاقم الأزمة في البلاد وجعلها أكثر مأساوية. بالفعل، لقد داس تمثال الحرية الأمريكي على جميع مبادئ حقوق الإنسان في العالم.
وبطبيعة الحال، ليس وقوف العالم مع ضحايا أوكرانيا هو مايجعلنا نشعر بالأسف فنحن أيضًا ندعم حرية الشعب الأوكراني بل نأسف على نظرة العالم الدونية إلى ضحايا بلدان الشرق الأوسط مثل العراق وفلسطين وسوريا إذ لا يهتمون بهم ولا يكلفون أنفسهم عناء ذكر أخبارهم في وسائل الإعلام. إننا نشجب المعايير المزدوجة التي يتبعها المجتمع الدولي والمتمثلة في التمييز والعنصرية والاضطهاد على أساس العرق أو اللون أو الدين.
