بيوماني بانشاي راناسينغاها وخالد دادر
“يُولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق.” ولكنّ يبدوا أنّ “الأوروبيين”، “البيض” و “المتحضرين”، يتمتعون بحريةٍ أكثر ويحظّون بنفوذٍ أكبر. كشفت الحرب الروسية ضد أوكرانيا التي اندلعت في أواخر فبراير من هذا العام عن العنصرية التي اعتقدنا أنها انتهت منذ سنوات؛ لأننا—من المفترض— أننا نعيش في عالمٍ يتسم ويلتزم بحقوق الإنسان.
في أزمة الهجرة عام 2015، ارتفع عدد المهاجرين الذين حاولوا دخول أوروبا بشكلٍ كبير بسبب الصراعات والحروب في الشرق الأوسط، والتي نشأت أبرزها جراء الحرب السورية الأهلية عام 2011. رأينا أعدادًا مهولة من المراكب غير الصالحة للإبحار، وهي تغرق، لا لتُنهي معها حياة المهاجرين فحسب، بل وتطمس ذكرياتهم وتجاربهم. رأى العالم العديد من مقاطع الفيديو والصور التي تنفطر لها القلوب، لأطفالٍ غارقين في البحر، وبعضهم أُجبر على الرجوع، والبعض الآخر تعرض للتحرش الجنسي، كما وسُلبت كرامتهم الإنسانية على الحدود. هذا مُجرد غيضٍ من فيض. هؤلاء الناس خاطروا بحياتهم للنجاة باحثين عن حياة كريمة بعيداً عن الحروب وانعدام الأمان. رغم أنّ هذه الأزمة مستمرة منذ سنوات، إلا أنّ الدول الأوروبية لا زالت تفتقر إلى نظامٍ عادل للتعامل مع هؤلاء المهاجرين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وعلى الرغم من ذلك، عُقب اندلاع الحرب الروسية ضد أوكرانيا هذا العام، وجد الاتحاد الأوروبي بأعجوبة وبسرعة تامة نظاماً لمساعدة اللاجئين الأوكرانيين الفاريّن من الحرب، وفي خضم الترحيب والتضامن من الدول الأوروبية، تفوّه بعض الصحفيين الأوروبيين بتصريحات مُشينة وصارخة. قالت كيلي كوبيلا من قناة أن بي سي الإخبارية: “هؤلاء ليسوا لاجئين من سوريا، إنهم لاجئين من أوكرانيا، إنهم مسيحيون وبيض، إنهم متشابهون جداً…”. بعد الاستماع لما قالته كوبيلا تُركنا نفكر “متشابهون بماذا؟”، متشابهون بالغرب الأوروبي الأبيض؟ دلالة هذا البيان ومضمونه خطير ويخلق تمييزًا بين “اللاجئ المقبول” و”اللاجئ غير مقبول”. وليحظى المرء بمعاملة تتبع نهج “متساوي بالحقوق والكرامة”، يجب على المرء أنّ يكون “مقبولاً بشكلٍ كافي” على المقياس الغربي، وليكون “مقبولاً بشكلٍ كافي” يجب أن يكون مماثلاً للصفات التي تفوّهت بها كوبيلا، وهي أن يكون المرء أبيضاً، مسيحياً، وليس من “الجزء الخاطئ من العالم.”
وبينما نُعقب على مضمون تصريحات كوبيلا، نستذكر كلمات آشلي مبيمبي: “يرى العنصريون الإنسانية في أنفسهم ليس من خلال ما يجعلهم متشابهين مع الآخرين، بل من خلال ما يجعلهم مختلفين.” إنّ هذا التمييز الذي تفوهت به كوبيلا موجود منذ زمن في السياسات الأوروبية تجاه اللاجئين وفي سياسات الهجرة أيضًا. الفروق التي تم إجراؤها في هذا الصدد لهي دليل على استمرار استخدام العرق كأداة لتحديد ودعم المؤسسات الاستعمارية المبينة على الفصل والتمييز، ولاسيما في أزمة اللاجئين القائمة في أوكرانيا.
في ذات الوقت الذي شاهدنا فيه الأزمة الإنسانية في أوكرانيا تتفاقم في الأسابيع الماضية، كان الفلسطينيون الأبرياء والأطفال يتعرضون لهجماتٍ شرسة من الاحتلال الإسرائيلي. مع ذلك، أفادت قناة البي بي سي أنّ ديفيد ساكفاريليدزي، نائب المدعي العام في أوكرانيا، قال: “قتل الأوربيين ذوي العيون الزرقاء والشعر أشقر لهو أمر حساس ومؤثر للغاية.” وتماشياً مع منطق الانسانية هذا، نجد أنّ شروط عدم قتل المرء هي امتلاك عيون زرقاء وشعر أشقر. مر عشر سنوات على مقطع فيديو لفتاة فلسطينية تواجه جندي إسرائيلي دون أن يُلاحظه أحد، حتى تحّصل الإعلام الأوروبي على الفيديو مُدّعيًا أنها فتاة أوكرانية تقف في وجه الجنود الروس؛ فقط لأنها شقراء وبيضاء.
إضافةً إلى خليط الشعر الأشقر والعيون الزرقاء، هناك متطلبات أخرى مثل الرخاء والثروة، حيث أشار بيتر دوبي مراسل قناة الجزيرة (أصدرت القناة اعتذاراً علنياً في وقت لاحق): “هؤلاء أناسٌ أثرياء من الطبقة المتوسطة، ومن الواضح أنهم ليسوا لاجئين يحاولون الخروج من مناطق في الشرق الأوسط”. يمكن أن يكون مضمون هذا البيان منطقيًا في حالة إذا اتبع المرء نفس مبدأ الشعر الأشقر والعينان الزرقاوتان. كما ذكر فرانتز فانون في كتابه (بشرة سوداء، أقنعة بيضاء): “كيف يمكن للرب الحسن والرحيم أن يكون أسوداً؟ إنه رجل أبيض ذو وجنتين ورديتين مشرقتين، إذا كان الشخص أبيضاً، فهو غني، وإذا كان أبيضًا فهو وسيم، وإذا كان أبيضًا فهو ذكي.” تجعلنا هذه الجمل على وجه الخصوص أن نُشكك في استقلاليتنا وأن نُشكك في ذاتنا وإنسانيتنا في هذا العالم. ولكي نحظى بالتعاطف، إن كان طلب الأمان كثيرًا علينا، هل يجب على المرء أن يكون أبيضاً بعيون زرقاء وشعرٍ أشقر؟ ماذا يعني أن تكون بلا عيون زرقاء وشعر أشقر؟ بشكلٍ أدق، ماذا يعني أن لا تكون أوروبياً إن كنتَ لاجئاً؟
يُجيب مراسل قناة سي بي أس الإخبارية، تشارلي داغاتا، على السؤال، وهو أنك لست “متحضرًا”، وبالتالي لا يحق لك التمتع بحقوق الإنسان والكرامة المتأصلة. وقال داغاتا تحديدًا أنّ: “أوكرانيا ليست مكاناً مثل العراق وأفغانستان اللتان شهدتا صراعًا محتدمًا لعقود.” وفي حين أنه من المُزعج سماع تصريح داغاتا العنصري المتنصّل بعبارات “مع كامل الاحترام” و”يتعين عليّ أن اختار الكلمات بعناية”، فإنّ سماع تقييمه “للتحضر” يُثير الإشمئزاز والغضب. وقال داغاتا بشكلٍ شائن: “هذه مدينة أوروبية متحضرة نسبياً، حيث لا تتوقع أو تأمل أن تنشب بها حرباً، ويتعين عليّ أنّ أختار الكلمات بعناية.” يُفهم هذا البيان بطريقتين أساسيتين. الأولى: لا يستطيع المرء أن يتوقع اندلاع صراع في أماكن أوروبية متحضرة نسبياً. الثانية: لا يستطيع أحد أن يأمل أو يتوقع صراعاً في أوروبا المتحضرة. في المفهوم الأول، نستخلص أنّ العراق وأفغانستان غير متحضرتين، بغض النظر عن حقيقة أنّ كلا البلدين لديه تاريخ حضاري يعود إلى ألاف السنين، وتحمّلا كوارث سببها الغزو الغربي في العقود الماضية.
وفقاً للوسي واتسون وهي مراسلة لشبكة أي تي في: “لقد حدث ما لا يمكن تصوره. هذه ليست دول نامية في العالم الثالث، هذه أوروبا.” إنّ استخدام مصطلحات مثل “ما لا يمكن تصوره” و”ما لا يُتوقع” يُظهر مدى استمرارية تعامي الغرب عن جرائمه التاريخية التي ارتكبها ضد بقية الدول.
تدل هذه التعليقات التي أدلى بها صحفيون وشخصيات عامة على الروايات العنصرية المستبدة والتي يرعاها الاتحاد الغربي الأوروبي باستمرار، وهي أيدلوجيات ووسائل سيطرة وحُكم تُستخدم للمحافظة على مؤسسات المجتمع السياسية التي تروّج للعنصرية، والدليل على ذلك هو البيان الذي صرّح به وزير الهجرة اليوناني نوتيس ميتاراتشي في بداية شهر مارس. في نظر ميتاراتشي، الأوكرانيين هم “اللاجئون الحقيقيون.” لن نُفكر أو نُحاول في جلب نقيد هذا المصطلح لأنه يمكن أن يحمل في طياته أي شي من الخيال إلى الخرافة.
يحتاج العالم الغربي إلى الخرافات باستمرار لتبرير قوته وهيمنته. وفقاً لمبيمبي، هذه الأساطير تتراوح بين الاعتقاد بأن الغرب هو “مسقط رأس العقل، والحياة العالمية، وحقيقة الإنسانية،” وإضفاء الطابع المثالي على الغرب باعتباره المنطقة الأكثر تحضراً في العالم. وكما يُشير مبيمبي فإن الغرب قد يعتقد بأنه الوحيد الذي اخترع حقوق الانسان. ومشكلة الغرب هو الاعتماد على الخرافات في التمسك بالسلطة ونبذ التعصب الذي لا يزال يتخلل هياكله المؤسسية. بالنسبة للغرب فإن حقوق الانسان العالمية ليست بالضرورة أن تكون عالمية على أرض الواقع. بل على العكس من ذلك، فإنها تبقى ازدواجية: حقوق البشر الأوروبيون المتحضرون مقابل البقية الذين يمكن أن يُعتبروا بشراً رهناً بشروط الغرب التعسفية.
عن المؤلف:
- بيوماني بانشاي راناسينغاها:
بيوماني مُحامية في سريلانكا، وهي حالياً تدرس الماجستير في حقوق الانسان والتعددية الثقافية في جامعة جنوب شرق النرويج، وهي حاصلة على درجتي بكالوريوس، واحدة في العلاقات الدولية من جامعة لندن وأخرى في الحقوق من جامعة بيرادينيا، حيث عملت كأكاديمية لمدة وجيزة في قسم القانون فيها. وقد كتبت العديد من المقالات والأوراق البحثية، وساهمت في العديد من المُؤلفات. تُدير حاليًا منصة لسرد القصص البيئية للكاتبات. تكمن اهتماماتها البحثية في حقوق الانسان والقانون البيئي والتعليم.
- خالد دادر:
كاتب وناشط، يدرس حاليًا درجة الماجستير في حقوق الانسان والتعددية الثقافية في جامعة جنوب شرق النرويج، وهو حاصل على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية وآدابها من الجامعة الإسلامية في غزة، حيث عمل مُعيداً فيها لمدة عام. تكمن اهتماماته البحثية في الدراسات الجندرية ونظريات إنهاء الاستعمار وحقوق الانسان. عمل خالد أيضاً كمترجم لدى المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، وتطوع ككاتب لدى منظمة “لسنا أرقاماً.”
نُشر هذا المقال لأول مرة باللغة الإنجليزية على موقع E-International Relations
