الأملاك البحرية التي تُعدّ مساحة عامة للمواطنين في لبنان أصبحت اليوم قضية حسّاسة نُزعت عنها صفة العمومية، وجُرّد فيها الشخص من حقه باستخدامها بصفته مواطنًا. بحسب المادة الأولى من نظام تشغيل الأملاك العامة البحرية، تبقى هذه الأملاك باستعمال العموم ولا يكتسب عليها لمنفعة أحد أي حق يخوّل إقفالها لمصلحة خاصة، واستخدام هذه الأملاك من شخص أو مجموعة غير جهة رسمية، لمصلحة عامة سياحية كانت أم صناعية، هو انتهاك لحق الوصول إلى الشاطئ.
في لبنان، تنقسم الأملاك العامة البحرية إلى أملاك عامة بحرية مشغولة بصورة قانونية، أي بمراسيم تجيز إشغالها، وأملاك عامة بحرية مشغولة بصورة مخالفة للقانون. ومن الضروري التذكير مرارًا وتكرارًا بأنّ إشغال الأملاك العامة البحرية من دون استصدار مراسيم تجيزها هو أمر ممنوع قانونًا، ولا يترتب للشاغل الفعلي بصورة قانونية أي حق مكتسب مهما كانت مدة إشغاله، وهو ما أكدته المادة 30 من قانون الموازنة لعام 1990، بكلتا صورتَي الإشغال (إشغال دون استصدار مراسيم تجيزه، وإشغال مؤقت بمقتضى ترخيص) الملزمتين بالسماح للمواطنين بالوصول إلى الشاطئ.
الإشكالية الأسياسية اليوم، والقضية الأحدث، هي مشروع كبير ذو طابع تجاري في “صور”، جرّ خلفه قضية أخرى وهي اعتقال الصحافي “مهدي كريم” والدكتور “حسيب عودة”، بسبب معارضتهما هذا المشروع الذي يضرّ بالأملاك العامة والشاطئ، في انتهاك صارخ للحق في حرية التعبير وحرية الصحافة، والحق بالوصول إلى المعلومات الذي نصّ عليه القانون رقم 28 ونُشر في الجريدة الرسمية سنة 2017.
بالعودة إلى المشروع المزمع تنفيذه -يتضمن بناء نادٍ لضباط الجيش- على أملاك الدولة اللبنانية بمساحة تُقدّر بـ377,000 متر مربع ضمن موقع يحمل قيمة أثرية وبيئية كبيرة، حيث بدأت أعمال الحفر على شاطئ “صور” السياحي قرب “محمية صور”. ووفقًا لمصدر بلدي فى “صور” فإنّ “هذا المشروع يُشكل خطرًا كبيرًا على المكامن الأثرية الغنيّة الدفينة في هذه المنطقة المحمية عقاراتها عبر وضعها على لائحة الجرد العام”. ولفت المصدر إلى أنّ “المشروع يُشكل خطراً كبيراً على محمية شاطئ صور الطبيعية في “جفتلك رأس العين” (المنشأة بالقانون رقم ٧٠٨ تاريخ ٥/١١/١٩٩٨)، بالإضافة الى مخالفات قانونية عديدة وجسيمة للقوانين والمراسيم ذات الصلة”.
وفي تفاصيل المشروع، ذكرت مصادر أنّ الدولة أجازت لوزارة الدفاع الوطني إشغال عدد من العقارات، ومنها تلك التي يشملها “المشروع”، وهي العقارات السبعة التالية في صور “جفتلك رأس العين” ذات الأرقام 1504/1570/1571/1572/1573/1574/1575 / 1197/1198 في منطقة “الشواكير”، والعقار رقم /640/ في منطقة “الخراب”. أما وجهة استعمال هذا الحق بالإشغال فكانت بطبيعة الحال مرتبطة بالأعمال والمنشآت المؤقتة الدفاعيّة والعسكرية.
كما عقدت وزارة الدفاع اتفاقاً مع شركة “أس آي أس” (SIS) وفق نمط “البناء والتشغيل وإعادة نقل الملكية (BOT)”، أعطت بموجبه الوزارة للشركة المذكورة حقّ استثمار العقارات الثمانية المشار إليها، حيث يقوم المتعهد بإنشاء نحو 150 محلًّاً تجارياً ومطعماً وغيرها من الشقق السكنية والأبنية التجارية واستثمارها على مدى 28 سنة، بما فيها نادٍ للضباط على أحد هذه العقارات.
ومن أخطر ما قد ينطوي عليه المشروع، هو الطلب الذي جرى تقديمة إلى بلدية “صور” بإنشاء جسر للمشاة يصل المشروع بشاطئ محمية صور، وهو يقع في المكان بالذات المواجه للقسم من الشاطئ الذي يمنع الولوج إليه لأي نشاط من النشاطات، باستثناء البحث العلمي وحماية الطبيعة.
كل هذه المخاطر التي تهدد شاطئ صور والتي يتجاهلها القائمون على المشروع، تعد انتهاكاً كبيراً لأمن البيئة في لبنان، ولخطط التنمية المستدامة.
وبعدما حاول صحافي وناشط بيئي أن يطرحا هذه القضية، تعرضا لانتهاك آخر من الجيش اللبناني، عبر اعتقالهما وتحويلهما إلى الشرطة العسكرية، أثناء قيامهما بجولة حول محمية شاطئ صور الطبيعية وبالقرب من المشروع المزمع إنشاؤه.
في هذا السياق، أشار الصحافي “مهدي كريّم” في حديث خاص، إلى أنّ توقيفه من الجيش جاء على خلفية تحقيقاته المتواصلة في المشروع المخالف للقانون.
وفي التفاصيل، قال “كريّم”: “أعمل كصحافي استقصائي، كنت قد كتبت مادة عن مشروع يقوم به أحد المتعهدين الذي أخذ عقدًا من الجيش اللبناني على تخوم محمية شاطئ صور، حيث ينطوي على عدد هائل من المخالفات على كافة المستويات، على مستوى البيئة والآثار، وعلى مستوى عدم حيازة رخص وأيضاً شبهات فساد، فواضح أنّ هذا المشروع “تنفيعة” (منفعة غير مشروعة)!
وأضاف: “كتبت هذا المقال الاستقصائي، ومن بعدها تحرك عدد من الناشطين والجمعيات المعنية بمدينة صور، مثل جمعية الحفاظ على تراث صور، وجمعية الجنوبيون الخضر. وبناءً على كل المعطيات المنشورة، رفعت الجمعيتان دعوى قضائية عند المدعي العام البيئي، واستحصلتا على قرار قضائي بوقف جميع الأعمال بشكل فوري لحين إرسال القضاء خبير بيئي يقيّم المشروع.
وصلتني معلومات بعد صدور القرار القضائي بوقف الأشغال في المشروع بحسب ما نشرت جمعية “الجنوبيون الخضر”، حيث يستند القرار على وجود نحو 20 موقعاً أثرياً محتملاً في الموقع، بالإضافة إلى 5 عقارات مُدرجة على قائمة الجرد العام. وباعتباري أتابع هذا الملف، تبيّن أنّ ردم الحرب (ركام المباني المدمرة في القصف الإسرائيلي) يتم رميه على الشاطئ، وهذا موضوع آخر و”تنفيعة” أخرى. ذهبت إلى الموقع لسببين: الأول لأتأكد من صحة هذه المعلومة، والثاني لأرى ما إذا كان المشروع ما يزال قائماً وبالتالي مخالفة القرار القضائي. ذهبت أنا وزميلي الناشط البيئي دكتور “حسيب عودة” للموقع، فاكتشفنا أنّ الأعمال ما تزال سارية. صورت سير الأعمال، ثم طلب منّا مدنيان يعملان ضمن المشروع المغادرة بحجة أنّ “هذه أملاك خاصة”. رفضت وقف التصوير، فهددانا بالجيش”.
وذكر أنّ “هذا المشروع مغطى من الجيش، إذ وصلت قوة من الجيش واقتادتنا إلى فوج التدخل الخامس، واحتُجزنا حوالي 5 ساعات، من بعدها صدر قرار بتحويلنا إلى الشرطة العسكرية – ثكنة بنوا بركات”.
وأردف: “بعد 8 ساعات، وقبل وصول المحامي، قال لنا المحقق أنّ كل شيء تم حلّه. طلب مسؤول الجنوب بالجيش اللبناني التكلم معي عبر الهاتف، وأبلغني بصدور أمر عسكري بعدم الإساءة لنا، وأكّد لي أن المحضر لن يفتح وسيعتبر ملغياً وسنخرج من دون إمضاء أي تعهد، ولن يُطلب منا حذف صور المشروع، فقط سيتم التأكد من عدم التقاطي أي صور لأعيان عسكرية”.
وأكّد الصحافي “كريّم” أنّ “تحرك النقابة وموقع “مناطق نت” حيث يعمل، وعدد من الصحافيين الذين تضامنوا، هو من ضغط على الجيش”.
ولفت إلى أنه “عندما سأل العسكري المحقق ماذا يكتب ليغلق المحضر؟ فأجابه أن يكتب بأمر شخصي من قائد الجيش”. وقال الصحافي “كريّم”: “لا أدري إلى أي مدى وصلت هذه القضية، لكن الحملات التي أطلقها المتضامنون نجحت في الضغط لإخراجنا، فهم أطلقوا سراحنا بسبب الخوف من الرأي العام، وبضغط من الصحافة والنقابة، بدون أي شك”.
وأوضح أنّ المشروع ما يزال قيد الاستكمال، مؤكداً أنهم سيواصلون المواجهة كصحافة، لكنه لفت إلى أنّه لا يريد أن تصبح هذه القضية فقط قضية توقيفه، لأنّ الأساس هو المشروع التجاري، وقضيته هي التعدي على شط رملي يعد الأخير في لبنان، مشددًا على التمسك بالقرارات القضائية ووجوب تنفيذها، والاحتكام للقانون والدستور.
وأكّد أنّ القوانين واضحة في هذا الإطار، منها ما يلزم بمناقصة، والابتعاد من 200 إلى 500 متر عن المحمية، إلى جانب حظر المساس بالمواقع الأثرية. وفي هذه الحالة، فإنّ الأرض ليست ملكًا لوزارة الدفاع بل لوزارة المالية، وتستخدمها وزارة الدفاع لأغراض عسكرية فقط.
ولفت “كريّم” إلى أنّهما تسلما لدى توقيفهما مذكرة صادرة من مخابرات الجيش تقول إنّ “هناك حملة تحريض على الجيش ومنشآته وأعماله الهندسية يقوم بها النشطاء “مهدي كريم” و”حاتم حلاوة” و”هشام يونس”، والمطلوب هو وقف هذه الحملة ومنع استمرارها”.
وتساءل: “ما القيمة القانونية لهذه المذكرة؟”. “هم بتوقيفنا أرادوا “تربيتنا” وتخويفنا لنتراجع، و”يربوا” الأشخاص لكي يتم التعتيم على القضية”.
وأكد أنهما “لم يتعرضا للضرب أو الإساءة أبداً، فالضابط كان محترماً جداً معهما، وقال إنّ القضية فارغة، لكنه بالأخير يتلقى الأوامر”، بحسب تعبيره.
وختم قائلاً: “لذا فالهدف من توقيفنا هو منعنا من الحديث عن المشروع، لكن الضغط الشعبي والنيابي منعهم من فتح تحقيق والاستكمال بالإجراءات. وفي المقابل، أنتج توقيفنا حديثاً جديداً وكثيفاً عن المشروع عبر وسائل الإعلام”.
بلا أدنى شك، تؤكد هذه الواقعة سلوكًا منهجيًا للسلطات في لبنان يقوم على محاولة إقصاء الصحافيين أو الناشطين الفاعلين عن أي قضية رأي عام، وهي ممارسة دأبت عليها السلطات التي تحتكر القرارات، وتخشى أصوات المعارضة التي قد تفشل خططاً تتعارض مع المصلحة العامة، والقوانين الراعية الضرورية لضمان مشروعية أي قرار أو مشروع.
تثير عملية اعتقال الصحافي “كريّم” والناشط البيئي “عودة” تساؤلات أكثر حول المشروع، وأيضاً حول واقع حرية الصحافة في لبنان، خاصة وأن مثولهما أمام المحكمة العسكرية يخالف القانون الذي ينص على حصر القضايا المتعلقة بالصحافة أمام محكمة المطبوعات، كما ينتهك الحق في حرية التعبير المصان في الدستور والمعاهدات الدولية التي تكرس هذا الحق في الدول التي تعتمد النظام الديمقراطي.
من هذا المنطلق، ينبغي وقف أعمال التجريف والحفر المخصصة للمشروع التجاري-العسكري، منعاً لهدر المزيد من مساحات الشواطئ في لبنان، والتي تمنع السكان من الوصول إليها، وأيضاً تهدد البيئة التي تعاني أصلاً من مشاكل عديدة أهمها غياب الرقابة والمحاسبة.
مثل هذه الوقائع تجعلنا نؤمن أكثر بحتمية وجوب احترام حرية الصحافة والحق في الوصول للمعلومات في كافة القضايا المتعلقة بالأمن والتنمية والقضايا الإنسانية، وضرورة احترام القوانين والمعاهدات الدولية التي تحمي الحق في حرية التعبير.
